اجعلنا صفحتك الرئيسية أضف الى المفضلة أخبر صديق لمراسلتنا
قصة الموت الأسود (المرحّل) الى بلاد الرافدين
روبرت فيسك يفتح (جرح) حرب الانتحاريين في العراق ويكشف بعض خفايا (أوسع حملة لقتل الذات) في التاريخ
15/03/2008
بعد خمس سنين على الغزو الأميركي-البريطاني للعراق، يدخل المحلل السياسي ومراسل صحيفة الإندبندنت البريطانية في الشرق الأوسط (روبرت فيسك) عالم "الانتحاريين" ليخرج بحصيلة أن اللاعبين الكبار في "الحرب على الإرهاب" هم في الواقع أكثر ارتجافاً و"سوء فهم" لمهمتهم من أولئك الانتحاريين.

ويستنتج (فيسك) أنْ لا أحد يمتلك "جردة" حقيقية بعدد أولئك الذين انتحروا في العراق "يقتلون ويُقلتون" ضمن أوسع حملة لـ" تصفية الذات" أو "ذبحها" في التاريخ الإنساني.

وإذ تقدم (الملف برس) هذه المادة الصحفية المغرية لقرائها بكشف بعض "مناخات" الشخصيات الانتحارية وبيوتها وأهليها ومناطقها، و"منطقها" الذي تتبجح بأنه "يقربها" الى الله زلفى، تعد أن تتابع بعض وقائع هذه الرؤية التي يقدمها ( فيسك) بأن تملأ "الثغرات" التي تركها تقريره، بمزيد من المعلومات المستقاة من مضانها ومصادرها الحقيقية على قدر المستطاع ضمن مهمة الملف برس الدائمة التي تضع المسؤولية المهنية، وهموم الوطن والإنسان فوق كل الاعتبارات الأخرى.

ويبدأ (روبرت فيسك) برواية التفاصيل قائلاً: تطلع إليّ (خالد ) وابتسامة واسعة على شفتيه. كان تقريباً يضحك. جرى ذلك عندما أخبرته أن عليه أن يهجر جميع الأفكار التي تحوّله الى "انتحاري"، ذلك لأنه يمكن أن يؤثر في ناسن كثيرين في هذا العالم بطريقة أخرى كأن يكون صحفياً، بيد أنه أرجع رأسه الى الوراء، ورماني بتكشيرة وجه لا تتناسب وعمر المراهقة الذي هو عليه، قائلاً: "أنت لك مهمتك. وأنا لي مهمتي".

ويضيف (فيسك): نظرتْ أخواته إليه برهبة. لقد كان "بطلهن"، وكاتبهن، ومعلمهن، وممثلهن، وقريباً الأخ "الشهيد" الذي سيضحي بنفسه. نعم فقد كان (خالد ) شاباً وسيماً وبعمر 18 سنة، يرتدي قميصاً أسود بماركة عالمية معروفة وبلحية صغيرة مشذبة تشبه تلك التي اشتهرت عن الأبطال الإسبان، وهو فوق ذلك كله جاهز الآن ليضحي بنفسه.

وكانت المفاجأة الآثمة –يقول المحلل السياسي- أنني كنت قد سافرت الى بيت (خالد) كي أتحدث لأمه. وكنت قد كتبت عن أخيه (حسن) ومطلوب منّي أن أقدم زميلتي الصحفية الكندية (نيلوفر بازيرا) لعائلته. وعندما توجه (خالد) الى شرفة المنزل، كنت أنا و(نيلوفر) ندرك في اللحظة نفسها، أن (خالد) سيكون "الضحية المقبلة" أو "الشهيد" كما يتحدث عن نفسه وهو يبتسم. وكنت قد مررت بشبان كثيرين لكنها المرة الأولى التي أرى فيها أحداً يعلن ذلك بوضوح.

ويقول (فيسك): تحلقت عائلته حولنا في شرفة بيتهم بمدينة صيدا بلبنان، وكانت غرفة الاستقبال مزينه بصور لأخيه (حسن) الذي "دخل الجنة" كما تقول الكلمات التي كتبت عنه، ولهذا كانت العائلة تطمئنني بالذي سيضحي (خالد) من أجل الوصول إليه، وهو قدره. كان أخوه (حسن) قد قاد سيارة مكتظة بالمتفجرات باتجاه قافلة أميركية في مدينة تلعفر القريبة الى مدينة الموصل بشمال العراق. وقد دفنت "بقايا جسده" هناك، كما أخبروا أمه.

ويقول (روبرت فيسك): من السهل العثور على عوائل لها قتيل لم تبرد حرارة جثته بعد. فالأسماء تـُقرأ من منارات مساجد مدينة صيدا (ومعظمهم كانوا فلسطينيين). وفي طرابلس بشمال لبنان، تفتخر حركة "التوحيد" السنية بمئات من الانتحاريين الذين كانوا من بين مريديهم. وكل ليلة يشاهد سكان لبنان لقطات من الحرب الوحشية في العراق. لكنّ خال (خالد) همس في أذني: "من الصعب الوصول الى فلسطين هذه الأيام، والعراق أسهل".

وفي توضيح لذلك الكلام يقول (فيسك): لا أحد يشك في صحة هذا الكلام فالطريق سالكة الى بغداد أو تلعفر أو الفلوجة أو الموصل. وكلها عن طريق سوريا المفتوحة أمام الانتحاريين القادمين من سواحل البحر الأبيض المتوسط الى صحارى العراق، وعبر شبكات معقدة من الذين يديرون شؤون هذه القضايا.

ويتابع المحلل السياسي ومراسل الإندبندنت قوله: الذي يدهش، هو ما لم يذكر من قبل الأميركان أو الحكومة العراقية أو السلطات البريطانية أو في الحقيقة من قبل الكثيرين من الصحفيين بشأن حملة الانتحاريين ذات الحجم الكبير، وغالبية أفرادها من الشبان –وأحياناً شابات- الذين يدمرون أنفسهم بطريقة عنيدة وهم يفجرونها في القوافل الأميركية، أو بالهجوم على مقرات الشرطة العراقية، أو في الأسواق وحول المساجد أوفي الشوارع المكتظة بالمتسوقين، أو مقابل نقطة تفتيش عند بوابات المدن الكبيرة على امتداد صحارى العراق. وليس هناك أية سجلات توضح تماماً العدد الحقيقي لهؤلاء الناس المشاركين في حملة لـ"قتل الذات" أو "الانتحار" لم يسبق لها مثيل.

لكن تحقيقاً أنجزته صحيفة الإندبندنت خلال شهر، وبموجب معلومات أثارتها أربع صحف عربية، إضافة إلى إحصاءات رسمية عراقية نشرتها وكالتا أنباء في بيروت وكذلك تقارير غربية، كلها أظهرت أن هناك 1121 انتحارياً مسلماً قد فجّروا أنفسهم في العراق بطريقة مرعبة.

ومثل هذا العدد برأي المحلل السياسي (روبرت فيسك) لا يمكن إلا قبوله على أساس التخمين التهويني المحافظ، الذي يعتمد فقط على حسابات السلطات والصحف في ذكرها للعمليات الانتحارية، ولكن التقدير الحقيقي قد يكون أضعاف هذا العدد بكثير. ففي أيام قليلة قام ستة إلى تسعة من الانتحاريين بتفجير أنفسهم في أسواق عراقية مفتوحة قتلت عشرات الأشخاص وجرحت المئات. وتبدو الحياة في العراق كما يقول (فيسك ) رخيصة، والموت رخيص أيضاً فيها.

وثمة تفاصيل أخرى في "قصة الموت على رمال العراق" تنشرها الملف برس في تقرير لاحق بعون الله

المصدر : الملف برس - الكاتب: الملف برس
التعليقات
Designed by NOURAS
Managed by Wesima