اجعلنا صفحتك الرئيسية أضف الى المفضلة أخبر صديق لمراسلتنا
المسؤولية القانونية في قضية الكرد الفيليين-4
21/12/2007
زهير كاظم عبود
وبصدور شهادات الجنسية تم وضع أول الشروخ المتعمدة بين المواطنين العراقيين بتقسيمهم تقسيمـــاً لايمت للمنطق ولا للعدالة بشيء ، فقد ترتبت التزامات وقوانين استندت على القانون المذكور والذي بقي ثابتاً غير قابل للنقاش أو أعادة النظر طيلة الفترة منذ صدوره في بدايات الحكم الوطني حتى سقوط صدام وانتهاء سلطة الدكتاتورية ، ووفق قانون الجنسية هذا تم تسجيل تبعية المواطن العراقي بالعثمانية أو الفارسية ، ولذلك تم تسجيل المواطنين العراقيين وفقاً لهذا الأساس في تبعيتهم ، حين صاروا من التبعيــــة العثمانية ( التركية ) او من التبعية الآي رانية ، وصار ت العشائر العربية المسجلة وفقاً لاحتلالها من التابعية الفارسية مشكوكاً بولائها ومواطنين من الدرجة الثانية ومصنفين في التمايز بدرجة اقل من درجة المواطنين من تابعية الاستعمار التركي ( العثماني ) .

ووفق هذا التمايز والشرخ الذي أقترحه الانكليز في حينه واعتمدته العقليات المتطرفة قوميا ومذهبياً ، في صياغته على شكل قانون يتم تنفيذه وتطبيقه على عموم العراقيين ، لمنه بقصد وضع شرخ كبير وفاصل واضح في تبعيتهم . أذ كان المقصود منه حشر أكبر شريحة ممكنة من العراقيين في خانة التبعية الفارسية ، وبشكل أكثر وضوحاً العمل على تقييد حقوق أبناء المذهب الجعفري ، والكرد الفيلية منهم خصوصاً ، حتى يكون القانون سيفاً مسلطاً وخنجراً منغرسا في الخاصرة يتم استعماله متى شاءت السلطة ضد من تريد إيقاع تأثير وأبعاد القانون القاسية عليه من هذه الشريحة العراقية تحديداً .

ووفق هذا القانون الذي تم بناء نصوص وفقاً للتمايز المذهبي والطائفي تم أهدار نص دستوري وارد في القانون الأساس الصادر بتاريخ 6 آب 1925 حين أكد في المادة السادسة منه أنه لافرق بين العراقيين في الحقوق أمام القانون ، وأن اختلفوا في القومية والدين واللغة ، إلا أنه احتاط لهذا الالتفاف حين ذكر في نص المادة الخامسة أن الجنسية العراقية تعين وتكتسب وتفقد وفقاً لأحكام قانون خاص ، ويقصد به قانون الجنسية والذي بيت بقصد أن يتم استعماله خلافاً لمبدأ المساواة بين العراقيين ، الذين أصبحوا تحت وطأة نصوص قانون الجنسية عراقيين من التبعية العثمانية ، وعراقيين من التبعية الفارسية .

أن القانون المدني العراقي جعل الجنسية من خصائص الشخصية وفقاً لمنطوق المادة 37 ، ومثلما يكون من حق الشخص ان يكون له أسم ولقب يلحق بحكم القانون بأولاده ، فأن له الحق في الجنسية أيضاً ، كما عرف الموطن بأنه المكان الذي يقيم فيه الشخص عادة بصفة دائمية أو مؤقتة ، كما جوز القانون أن يكون للشخص أكثر من موطن ، وحيث أن الجنسية ينظمها قانون ، فالقانون العراقي هو المرجع في تكييف تلك العلاقات العقدية ، وتعسفاً في استعمال القانون منعت السلطة الصدامية القضاء العراقي من النظر في الدعاوى الناشئة عن تطبيق قانون الجنسية ، مما يدلل على سوء النية والقصد المبيت في عمليات تسفير الكرد الفيلية .

وإذا كانت الجنسية تعني السمة والرابطة التي تحدد الانتماء إلى شعب من الشعوب ، وحيث تتشكل الحكومة من هذا الشعب ، فتتحدد على ضوء ذلك الأمر طبيعة العلاقة بين المواطن وبين الدولة ، بمعنى أن تكون هناك دولة ذات سيادة ، وهناك رأي ليفرق بين الدول ذات السيادة مع الدول ذوات السيادة المنقوصة في مجال الجنسية ، وأن يكون هناك إنسان يتم منحه الجنسية ، وان تكون هناك علاقة أو رابطة بين هذا الإنسان وتلك الدولة ، حيث يتم اكتساب تلك الجنسية بطرق متعددة ، منها الولادة على أرض تلك الدولة .

ويتم منح المولود الجنسية أما تبعاً لجنسية والديه أو احدهما ، أو تبعاً لولادته على ارض تلك الدولة ، كما يتم منح الجنسية التي يكتسبها الفرد بعد أقامة طويلة ومحددة قانوناً ، ووفقاً لاعتبارات نص عليها القانون.

وصارت شهادة الجنسية وتابعية المواطن سيفاً مسلطاً على الرقاب تستخدمه السلطات كيفما تشاء ووفق سياستها إزاء كل حالة ، فمن رفض الجنسية العثمانية تخلصاً من الجندية والسوق الى الحروب وبقي على جنسيته الإيرانية صار إيرانياً بالتبعية رغم أنتماءه العربي أو الكردي الواضح وخصوصاً ماصار اليه حال الأكراد الفيلية ، وجلهم من الأكراد العراقيين الأصلاء .

ومن السخرية ان يتم اعتبار عرب وأكراد الجنوب والفرات الأوسط بما فيهم الأكراد الفيلية من التابعية الآيرانية ومشكوكاً بولائهم للسلطات التي تعاقبت على حكم العراق ، في حين يتم اعتبار جميع المهاجرين من هنود وباكستانيين وأرمن وأتراك من الذين قدموا إلى العراق وكذلك العرب منهم الذين صاروا تحت لواء الجنسية العثمانية ، مواطنين لايشك في ولائهم ولايتم تهديدهم تحت حد السيف الذي تشهره السلطات .

ويتذكر أهل العراق عملية التسجيل في كلا التبعيتين ، حيث كان من يريد التخلص من الخدمة العسكرية يسجل في التبعية الفارسية بالرغم من ثبوت انتماؤه العربي أو الكردي والعشائري ، ووفقاً لهذا القانون فأن مواطنتهم أصبحت أدنى درجة من المواطن الاعتيادي ممن سجل نفسه أو عشيرته من العثمانيين ، ولا يغب عن البال أن العشائر المحاددة لدولة إيران من العرب والكرد الفيلية هم وحدهم من سجل تابعيته بالفارسية ، اما مناطق أعالي الفرات فلم يسعفها الواقع الجغرافي على ذلك السلوك فبقيت تحت التبعية العثمانية ، مع وجود تابعين للفارسية ولكنهم ولدوا مع أجدادهم وربما أجداد أجدادهم في العراق .

ولربما كان استقرار الحياة العراقية وبساطتها ، ولربما كانت اللحمة الأجتماعية وانتشار قيم وأعراف الخير بين الناس ، ما جعلها تتناسى وجود مثل هذا السيف المسلط على رقاب العراقيين ، والذي ليخدم الحقيقة ولا المستقبل العراقي .

وأذا كانت الجنسية حق من حقوق المواطن العراقي يكتسبها ويحصل عليها دون النظر الى قوميته او عشيرته او دينه او مذهبة او جنسه او عرقه او لونه او اتجاهه السياسي ، والجنسية هي تلك العلاقة القانونية والسياسية بين الفرد والدولة ، ووفق هذا التعريف المختصر ينبغي أن تكون هناك دولة ، كما ينبغي ان يكون هناك مواطن أو مجموعة من المواطنين يحملون تلك الجنسية ، كما يتوجب ان تكون هناك علاقة بين هذا المواطن او المجموعة وبين تلك الدولة ، وهذه العلاقة ينظمها القانون وهو ملزم الأتباع والتطبيق .

والدولة لاتكون سائبــة او متحللة من التزاماتها الإنسانية والقانونية والمعاهدات الدولية ، فهي مقيدة بمعايير حقوق الإنسان والاتفاقيات الدولية ومبادئ القانون الدولي والأعراف الدولية بالإضافة إلى الأحكام القضائية الصادرة عن القضاء الدولي ، ومثلما لايجوز أن يتم تجريد مواطن من جنسيته دون سبب وقرار حكم قضائي بات ، فأنه لايجوز أجبار مواطن على اكتساب جنسية دون أرادته وموافقته الصريحة .

وحين نتكلم عن الجنسية والتجنس ، فأننا لانتعرض ( لشهادة الجنسية العراقية ) ، وهي وثيقة لاتشابهها وثيقة أخرى في المنطقة العربية ولا في الدول الأوربية والأجنبية ، فالجنسية هي التي تحدد مواطنة الفرد وتابعيته لتلك الدولة ، ولايمكن القبول بدرجات في المواطنة ما دام المواطنين متساوين في الحقوق والواجبات في نصوص الدستور ، كما لايمكن ان تكون رابطة قانونية متعددة الدرجات لتمايز بين المواطنين في الدولة الواحدة .

وحيث أن جنسية العراقيين كانت عثمانية لغاية الاحتلال البريطاني للعراق ، وباعتبار أن العراق أصبح تحت الانتداب البريطاني مما يعني انه أنسلخ عن سلطة الدولة العثمانية ، وبالنظر لتبدل السيادة بعد قيام الحكم الوطني في العراق ، فقد صار لزاماً أن يكون جميع العراقيين ممن يتم اعتبارهم من حملة الجنسية العراقية .

إلا ان قانون الجنسية أورد نصاً في المادة الثالثة منه يقول :
(( كل من كان في يوم 6 آب 1924 من الجنسية العثمانية وساكناً في العراق عادة ، تزول عنه الجنسية العثمانية ، ويعد حائزاً على الجنسية العراقية في التأريخ المذكور . ))

وفي العام 1932 تم تعديل نص المادة الثامنة من قانون الجنسية فأصبح كما يلي :
(( كل من ولد في العراق وبلغ سن الرشد ، أن كان والده مولوداً في العراق وكان مقيماً فيه عادة حين ولادة أبنه على أن لانطبق هذه الفقرة على الشخص الذي ولد قبل 6 آب 1924 وكان تأريخ بلوغه سن الرشد من رعايا تركيا ، او دولة انسلخت عن تركيا بموجب معاهدة لوزان المؤرخة في 24 تموز 1924 . ))

وبالرغم من أن التابعية كانت متوزعة بين الفارسية التي كان العديد من العرب في جنوب ووسط العراق يميلون اليها بحكم المذهب أو التقارب الديني أو العلاقات التجارية أو المصاهرة والنسب أو لعوامل أخرى ، فقد كان غيرهم من نفس المناطق يميل إلى التابعية العثمانية بسبب الارتباط الوظيفي او الانتماء الديني أو المكاسب التي يحصلها بعض من العثمانيين أو لأسباب ربما تتشابه مع تلك التي تمسك بها غيرهم .

لذا فأن شهادة الجنسية العراقية جاءت لتلغي كل هذه المعايير وتضع معياراً شاذاً لم يسبق للدول الحديثة التي تحترم نفسها أن أخذت به في تصنيف مواطنيها . واستخدمت السلطات الشوفينية ( شهادة الجنسية ) كذريعة ووسيلة للتنكيل بالمواطنين العراقيين من معارضيها ، فأقدمت على التسفيرات والتشريد والابعاد بحجة التبعية بما يتعارض مع النظرة القانونية والإنسانية وخلافاً لكل المعايير القانونية الدولية .

وأذا كان تاريخ السادس من شهر آب عام 1924 يوم صدور قانون الجنسية الذي اسقط الجنسية العثمانية عن العراقيين وحلت الجنسية العراقية بديلاً عنها ، فأن هذا الإحلال لم يلغ الشروخ التي كرستها القيمة القانونية لهذه الشهادة ، ولم يسبق لدولة من الدول أن أصدرت جنسية للمواطن ثم أصدرت له مايشهد له بهذه الجنسية وفق درجات محددة ومتفاوتة سوى القوانين الشوفينية التي تكرس العنصرية وتؤشر بشكل غير مباشر الى الانتماء الطائفي المقيت في العراق ، ونعتقد ان الدافع الحقيقي في أيجاد صيغة قانونية لشهادة الجنسية العراقية تكمن في خلق تمايز قانوني ووطني بين العراقيين ، اذ لايعقل أن يكون المواطن من الأصول التركية أكثر وطنية من المواطن من الأصول الفارسية او الهندية الا بسبب الانتماء الطائفي ، وفي تكريس هذا الأمر كل هذه المدة دون أن نستجيب لدواعي العقل والمنطق ومسايرة القوانين الدولي أكثر من حالة سلبية مستهجنة وتكرس الطائفية .

فالجنسية تمنح لكل من ولد بالعراق ولكل من ولد من أبوين عراقيين ولكل من كان أبويه عراقيين وولد خارج العراق ، الا أن اعتبار العراقيين فئتين ( أ ) وهي الأصليـــة و ( ب ) وهي التبعية وفقاً لشهادة الجنسية يتعارض مع نص اكتساب الجنسية العراقية في كل حالاتها ، حيث صارت شهادة الجنسية العراقية عثمانية أو تبعية .

والمتمعن في تأريخ قانون الجنسية الذي صدر بعد ثورة 30 حزيران 1920 والتي بقيت في ذاكرة المحتل البريطاني ، حيث أصبح العراق تحت الانتداب البريطاني بموجب قرار عصبة الأمم ، ونعتقد أن السياسة البريطانية أوجدت هذا المشروع الذي يجعل التفرقة بين العراقيين قانوناً ، بالإضافة إلى انه يحد من مطالبة الكرد الفيلية والعرب من أتباع المذهب الجعفري ، والذين نازلوا الاستعمار البريطاني ووقفوا بوجههة مع قياداتهم الدينية .

وليس أكثر تأكيداً على الطائفية المفرطة من التفات سلطة البعث عام 1963 لإصدار قانون جديد للجنسية برقم 43 لسنة 63 ، تم إدخال قيود أخرى على منح الجنسية وسحبها مع التأكيد على شهادة الجنسية العراقية واعتبارها الفيصل في مدى وطنية ومواطنة العراقي ، بل صارت شهادة الجنسية شرطاً أساسيا من شروط التعيين والعمل والدراسة والسفر والعديد من الحقوق والمعاملات التي تهم المواطن العراقي ، ولحق القانون المذكور تعديلات عديدة تؤكد حرص السلطات التي تعاقبت على حكم العراق والمتسمة بالشمولية والشوفينية على تكريس مبدأ استعمال شهادة الجنسية على العراقي ، ومنح القانون السلطة التنفيذية صلاحية أسقاط الجنسية العراقية عن كل عراقي لم تكن عائلته ساكنة العراق بشكل اعتيادي قبل الحرب العالمية الأولى ، أذا صدر عنه أو حاول أن يأتي عملاً تعتبره السلطة خطراً على أمنها وسلامتها ، كما سلب القانون المذكور سلطة القضاء العراقي في ولايته العامة ورقابته على قرارات وأوامر وتعليمات السلطة التنفيذية ، كما جاءت المادة ( 20 ) لتفضح الرغبة العارمة والدفينة في خرق حقوق الإنسان وما تبيته السلطات الحاقدة بحق العراقيين ، من أسقاط جميع الحقوق القانونية عن المشمولين بالقانون ، بالإضافة إلى سحب جميع الوثائق التي تثبت عراقيتهم .

وليس أكثر دلالة من القصد المسبق والتوجه الطائفي والشوفيني المبيت في تلك القوانين ، من القرارات التي لحقتها ، فقد أصدر مجلس قيادة الثورة المنحل قراراً برقم 666 لسنة 1980 يخول بموجبه السلطة التنفيذية ( وزير الداخلية أو من يخوله قانوناً ) صلاحية سحب وإسقاط الجنسية العراقية عن كل من تعتبره السلطة لايوالي الوطن والشعب والأهداف القومية والسياسة الحزبية للحزب البائد ، وزيادة في التعسف باستعمال الصلاحيات والنصوص تأتي برقية وزارة الداخلية في الزمن الصدامي البغيض والمخالفة لحقوق الإنسان والمنطق والعقل ، حين تصدر برقية برقم 2884 في 10/4/1980 نصها :
(( عند ظهور عائلة البعض منها حاصلين على شهادة الجنسية تشملهم الضوابط ، الا أن البعض الأخر مشمولين فيعتمد مبدأ – وحدة العائلة خلف الحدود – مع سحب الوثائق أي الجنسية . )) ، مع التأكيد على نص المادة 15 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي قرر الحق لكل فرد في أن يكون له جنسية وأن لايمكن لأحد أن يسلبه هذه الجنسية ، وأن لايحبره أحد على التخلي عنها أو تغييرها ، والمتمعن في الفرق بين التطبيق العملي للفكر الصدامي فيما يخص سحب الوثائق العراقية حتى ممن كان عراقياً بوثائق رسمية ، وتسفيره مع بعض من عائلته ممن شملهم قرار التسفير ، وبين الإعلان العالمي لحقوق الإنسان .

حتى صارت شهادة الجنسية العراقية في العديد من الأحوال أهم وأكثر أهمية من الجنسية العراقية نفسها .

ويقيناً ان استعمال وسيلة التفسيرات بحق شريحة كبيرة من شرائح الشعب العراقي لأسباب طائفية وسياسية وقومية ، فقد استعملت وسيلة التسفير ومصادرة الأموال المنقولة وغير المنقولة بذريعة الأصول الأجنبية وبحجة عدم استحصال شهادة الجنسية ( ا ) ، والحقيقة ان هذه التسفيرات التي شملت أيضا الأكراد الفيلية كانت بسبب قومية الفيلية الكردية الأصيلة ، وبسبب انتماء جميع المسفرين الى المذهب الجعفري من الشيعة الأمامية دون غيرهم من أبناء المذاهب الأخرى في العراق ، وكذلك بسبب معارض هذه الشريحة للسلطات القمعية والطائفية والشوفينية على الدوام مما زاد حقد السلطة عليهم ، وللحقيقة نذكر ان العديد من الكرد الفيلية ممن جرى تسفيرهم ومصادرة أموالهم كانوا يحملون شهادة الجنسية العراقية ( آ ) وهم من التبعية العثمانية ، ولم يتم الأعتراف والاعتداد بالمستندات الرسمية الثابتة التي تمنع تسفيرهم للأسباب التي تذرعت بها السلطة حينذاك .

وليس أكثر دلالة على التوجهات الطائفية في قضية التسفيرات ، التقيت اثناء عملي القضائي بطبيب عراقي لم يكن يحمل شهادة الجنسية العراقية ، وهو من أبناء التبعية الباكستانية ، ولما استوضحت منه عن أسباب عدم شموله بالتسفير ، أسرني انه من مذهب لايمت للجعفرية بصلة ، وقد تثبتت الجهات الأمنية من تلك المعلومات وأعفته من التسفيرات وسمحت له بممارسة عمله الوظيفي والمهني .

كما مارست السلطة العراقية ضدهم ممارسة تنم عن خسة ، حين قررت تشجيع الرجال المتزوجين من الكرديات تطليقهن والزوجات العربيات على تطليق أزواجهن من الكرد الفيلية ، ومنح من يقم بهذا العمل مكافأة مالية ، كما كان هؤلاء لايتمتعون بأدنى حقوقهم الأنسانية ، فليس لهم مدارس خاصة ، وليس من حقهم التحدث بلغتهم مع أولادهم بشكل رسمي ، كما ليس لهم من يمثلهم في جميع الحكومات التي تعاقبت على حكم العراق ، وعملت السلطات على صهرهم داخل المجتمع العربي لطمس معالم قوميتهم خلافاً لما أقرته الشرائع والاتفاقيات الدولية ولوائح حقوق الإنسان .

ولذا نستطيع الجزم مرة أخرى من أن قرارات التسفير التي طالت الكرد الفيلية لم تكن بسبب عدم امتلاك بعض منهم شهادة الجنسية التبعية العثمانية ، وليس بسبب تبعيتهم الفارسية ، وأنما كان القرار يتضمن داخله أسباباً طائفية وسياسية وقومية متطرفة أوغلت السلطة في اتباعها ضدهم .
واللجوء إلى سحب الجنسية وتسفير الشرائح العراقية بالشكل الذي حدث في العراق يشكل وصمة عار في جبين الحكام والمسؤولين الذين طوعوا النصوص القانونية ضد أبناء شعبهم ، ومارسوا ممارسة تنم عن الحقد الدفين ضد شريحة مذهبية من شرائح العراقيين ، بالإضافة إلى اتهامهم بالعجمة او التحدث بالفارسية ، وسبق للسلطات الملكية في العراق أن استعملت المراسيم الملكية المستندة على نصوص القانون لتسفير افراد محددين لأسباب سياسية وطائفية ، بسبب مواقف عدد منهم ضد الأنكليز ، وعدد آخر بسبب انتماؤهم لأحزاب عراقية وطنية ، مثل الحزب الشيوعي العراقي .

و على هذا الأساس فقد بلغت حدة التسفيرات لتشمل عوائل تمتلك شهادة الجنسية العراقية ومن النوع ( أ ) وكان بعض من اولادها ضباطاً في الجيش العراقي برتب متقدمة وأطباء يعملون في المستشفيات العراقية ، بالإضافة إلى ضباط متقدمين في الشرطة العراقية ، كما تم تسفير العديد ممن انهوا الخدمة العسكرية الالزامية وتم تسفير طاقات ثقافية وعلمية كبيرة ومهمة ، ولكن هذا لم يتشفع لها بسبب قرار النظام الصدامي الانتقام من الشيعة بسبب شنه الحرب العدوانية على إيران ولغرض التنكيل بأتباع هذا المذهب من العرب والكرد ، وتوسعت حملات التسفير التي سكت عنها العالم بشكل مخزي وسافر حين تم تسفير مئات الآلاف من العراقيين في العراء وتحت ضغط الأجواء المناخية القاسية ودون أية احتياجات انسانية أساسية ودون أية مستمسكات او اموال ، وإبقاء حالتهم دون حل مدة طويلة .

فقد تم اقتيادهم إلى مقرات الجيش الشعبي ودوائر الأمن والجنسية ، ومن ثم جرى عزل الشباب عنهم ، وتم تسفير اعداد كبيرة منهم بالسيارات العسكرية إلى مناطق الحدود مع إيران ، ومع أن تلك الحدود كانت مزروعة بالألغام ومحرمة فأن السلطات العراقية أجبرت تلك الأعداد على عبور تلك الأراضي باتجاه إيران وقامت برميهم بالرصاص وإجبارهم على المضي باتجاه إيران ، والتي لم يلقوا منها المعاملة الأنسانية التي تليق بهم لايحملون معهم أي شيء سوى ارواحهم التي بقيت تحوم حول سماء العراق .

وسحبت الجنسية عن هذه المجاميع بالرغم من كون قرار السحب يخالف ابسط حقوق الانسان ويتعارض مع القرارات الدولية ، وتصرفاً ينتهك انسانية البشر وقائماً على الإرهاب والتمييز الاجتماعي والطائفي والسياسي ، بل ومخالفاً لنصوص الدستور المؤقت والدساتير التي شرعت في العراق ، وأصدرت السلطة العراقية قرارا يمنع بموجبه المحاكم العراقية من النظر في الدعاوى الناشئة عن تطبيق قانون الجنسية ، لقطع الطريق على المواطن العراقي الذي يعترض على عدم قانونية أسقاط الجنسية عنه أو عن تسفيره مع عائلته ، وفي اليوم الذي يتم إسقاط الجنسية العراقية عن عراقيين مناضلين واصلاء يتم منح الجنسية العراقية لمواطنين عرب ليس لهم أية أهمية للعراق ولايعملون في أي مجال سوى مجالات التجسس والمخابرات والأمن والقمع ، ولم يكنوا مقيمين المدد القانونية ولم يقدموا للعراق ما قدمته هذه المجاميع التي تم التنكيل بها .

وتأسيساً على تلك النصوص التي يراد بها سلب مواطنة العراقيين ، صدر قرار مجلس قيادة الثورة المنحل المرقم 180 في 3 شباط 1980 والذي أعتبر بموجبه بعض العشائر غير العربية والتي ثبت أنها تسكن العراق منذ عهوده السحيقة ، اعتبرها من الأجانب مسمياً تلك العشائر من الكرد الفيلية ( ملك شاه السوره ميري والقره لوس والأركوازية والكويان والكركش والزركوس ) ، هذه العشائر عراقية وعريقة في سكنها الأرض العراقية ، وهذه العشائر واكبت الزمن العراقي وتقلب الحكومات التي تعاقبت على الحكم ، ويقيناً أن كتاب الأنساب وتأريخ العشائر والتراث يدركون قبل غيرهم هذه الحقائق ، ومع معرفة السلطات ان هذه العشائر مستقرة في العراق منذ الزمن القديم ، ويقينا أنها موجودة قبل صدور قوانين الجنسية وتعديلاتها ، وأن الوثائق العراقية سواء منها في العهد العثماني أو الملكي بعد الاحتلال تثبت ذلك ، مما يوجب ان يتم اعتبار منطوق المواطنة العراقية منطبقاً عليها ، ووفق معيار الدولة العصرية الحديثة في العصر الراهن ووفقاً للعلاقة القانونية والسياسية مع الدولة ، فأن مواطنتهم لاالتباس قانوني فيها ، فهم لم يعرفوا غير العراق وطناً وأرضاً يقيمون عليها ويتملكون فيها ولم حقوق ثابتة ويحميهم الدستور العراقي الذي ركلته السلطة البائدة بالأقدام .

بالإضافة إلى كونهم يتمتعون بكافة عناصر الشخصية القانونية في وطنهم العراق وفي اسماؤهم وذمتهم المالية وحقوقهم الشخصية التي حددتها القوانين النافذة .

ولانعتقد ان سلطة اخرى غير السلطة العراقية البائدة بيتت لشريحة من شرائح الشعب لتلغي كل ما اكتسبته من حقوق دستورية وقانونية ، وما صارت به كمراكز قانونية تتمتع بها وتحميها ضمن مفهوم الرعوية والتابعية والمواطنة ، لتنتقم منها وتعالجها المعالجة الكسيحة في تهجيرها وتسفيرها قسراً وبالقوة ودون أي حق قانوني ومنعهم من مراجعة القضاء الذي تم تكتيفه بمنعه من النظر بتلك الدعاوى ، ودون أن يصطحبوا معهم أي مستمسكات قانونية لأثبات عراقيتهم ومواطنتهم وحقوقهم المالية حيث تمت مصادرتها وأتلافها وإخفاء العديد منها .

وليس من المنطق ان تكون المشكلة الخاصة بالجنسية بعد تشكيل الحكومة الملكية والتي كانت تسمى بالحكم الوطني ، لأن هذا الحكم جاء منبثقاً على اعتاب سيطرة الإمبراطورية العثمانية على العراق زمناً ليس بالقصير ، كما استوطن العراق بالإضافة إلى العرب والأكراد والتركمان والكلدان والاشوريين والأرمن ، موجات من البشر من الهنود والباكستانيين والأفغان والأتراك ومن بلدان عربية أخرى بحكم التمازج الإنساني ، واستقروا في العراق ، كما أن عشائر عربية كانت تسكن الأراضي العراقية والايرانية لايمكن ان نصنفها بالعشائر العجمية كعشيرة بني أسد او بني مالك على سبيل المثال لاالحصر .

ومهما يكن الأمر فأن نظام صدام البائد حين سقط وأستبشر الناس خيراً لم تسقط قوانينه الجائرة بالرغم من التفات السلطة المؤقتة الى إلغاء العديد من القوانين والقرارات الجائرة ، حيث بقيت القيم والمفاهيم التي أشاعها في عقول العراقيين سائدة وتظهر للعيان بين فترة وأخرى .

وليس أكثر حزناً من وجود مسئولين وموظفين في الدولة العراقية الجديدة يستندون ويطلبون شهادة الجنسية العراقية من المواطن في أية معاملة أو طلب أو ترشيح ويجعلون لها الأعتبار الأساس في المواطنة .

وأذا كنا نرسم أن العراق هو وطن الجميع دون تمايز أو تفرقة ، وإذا كنا نعتقد حقاً بأن الإنسان أغلى من أي شيء ، وإذا كنا حقاً نريد حياة جديدة تليق بالمواطن العراقي ، وجب علينا أن نحترم مواطنينا وأهلنا وإخوتنا ، وان لانزيد في نكأ جراحاتهم ، وان نجعل خسة السلطات الشوفينية وقيم صدام البائدة تعمل بيننا .

مزقوا شهادات الجنسية ودوسوها بأقدامكم فليس هي المعيار لتحديد مساحة المواطنة لدى المواطن العراقي ، وربما سأكون السباق لأضع شهادة الجنسية العراقية التي منحتني اياها الدولة العراقية وفقاً للفقرة ( أ ) باعتباري عربياً من بني حجيم ( الفرات الأوسط ) ، أضعها تحت أقدام أي أخت أو أم من الاكراد الفيلية من العراقيات الأصيلات اللواتي قدمت فلذات أكبادها تضحية لهذا العراق الذي نريد له ان يكون وطن الجميع بحق ، تدوس عليها فليس لها أية قيمة أو معنى ، فالعراق لنا جميعاً دون أي فرق في القومية أو المذهب أو الدين أو الفكر أو الجنس .

العراقي الذي بقي يتمسك بجنسيته وانتماءه للعراق بالرغم من كل جنسيات العالم التي اكتسبها وفقاً للقانون ، جدير بأن يكون له مايليق بهذه المواقف . والعراقي الذي بقي يلتصق بالعراق رغم كل مامر عليه من محن التهجير والمصادرة وبقاءه دون سندات وهويات وجوازات سفر ، جدير بأن نقول له أنت العراقي الحقيقي .

والجنسية حق طبيعي للمواطن ينبغي ان تعاد لكل من سحبت عنه الجنسية وأن نلغي من عقولنا قبل القانون تمسك بعضنا بشهادة الجنسية العثمانية التركية أو الفارسية المعيبة ، وان نجعل التمايز بين العراقيين جريمة جنائية يعاقب من يمارسها وفق نصوص القوانين ، وأن نضمن إعادة جميع الحقوق المصادرة للمسفرين وأن نعيد كل الأموال المحجوزة لأصحاب العلاقة ، وبالسرعة التي يمكن ان ترفع جزء من محنتهم وإنسانيتهم ، وبما يليق بتحملهم كل هذا الضيم وجبال الحزن والمرارة من اجل العراق ، وأن نضمن تطبيقات حقيقية لحقوق الانسان والمجتمع المدني .

وأن نراعي الوضع الإنساني والنفسي الذي صارت فيه ألاف العوائل العراقية جراء سياسة صدام ، وان تلغي سفاراتنا وبيوتنا العراقية في الخارج الطلب من أي مواطن عراقي شهادة الجنسية فهي كانت على الدوام الرمز الطائفي والشوفيني البغيض للعراقيين .

مزقوها فما عادت لنا بها حاجة في الزمن العراقي الجديد .
دون أن نجد من يختلف معنا في التضحيات الجسام والمحنة العراقية الكبيرة التي لحقت بالكرد الفيلية ، وهم الشريحة العراقية التي اعطت وضحت وساهمت في بناء العراق ، وكان لها الشرف في وضع اللبنات الاولى للحكم الوطني العراقي ، بعد أن كان لمساهمتها التأريخية في حكم الأمارات الفيلية في مناطق أيلام ولرستان ،او من خلال الدولة الاتابكية الخورشيدية او الحكومة النخودية في العراق او الديرية الفيلية في البصرة او الزندية الفيلية أو في مقاومتهم للعثمانيين والأنكليز وللسلطة الصفوية او السلطات الغاشمة التي حكمت العراق منذ الأحتلال الأنكليزي ولحد سقوط سلطة الطاغية الأخير صدام .

دون أن نجد من يختلف معنا كون هذه الأسر العفيفة والمناضلة التي تتشكل من الكرد الفيلية التي دخلت التاريخ العراقي من أوسع أبوابه ، والتي يفتخر العراق بها حقاً ، تحملت من ضيم وجور السلطات الشوفينية البائدة مالم تتحمله غيرها من شرائح العراق ، فكان ظلمها مضاعفاً ومتواصلاً وجراحها عميقة ، فقد تحملت مالحق بالكرد من ظلم وغبن ومطاردة وقتل وإنكار للحقوق ، وتحملت مالحق بالشيعة من تغييب وتهميش وإنكار لحقوقهم في المواطنة والدستور ، و تحملوا العذاب والموت في الأقبية والمواقف والزنازين بسبب ميلهم للعمل مع القوى السياسية الوطنية الخيرة في العراق ، والتي كانت على الدوام مناهضة ومتعارضة مع السلطات القمعية والدكتاتورية التي تسلطت على العراق .

وأذا وجدت السلطة البائدة ذريعة وسبب تتعكز عليه لإلحاق الأذى بأبناء الكرد الفيلية ، فقد بالغت في إيذائهم وتعذيبهم حتى فاقت سياستها البوليسية والأمنية والبعيدة عن الفهم الإنساني تجاههم كل المعايير الإنسانية فقد كانت سياسة لاتمت للبشر بصلة ، فأوغلت في تمزيق نسيجهم الاجتماعي ، وعملت على تفرقة العوائل لزيادة العذاب والقهر ، وعمدت الى أجراء التجارب الكيمياوية على شباب الكرد الفيلية ، وانتزعت الأطفال من صدور أمهاتهم ، وفرقت أفراد الآسرة الواحدة ، وعمدت أيضاً الى تصفية العديد من الشباب دون تهمة أو سبب سوى انتسابهم بشرف للكرد الفيلية ، ونفذت أحكام الموت بالعديد منهم ، وأرسلتهم الى مجاهل الصحارى والأماكن غير المأهولة بالبشر ، وطمرت العديد منهم في غياهب السجون والقبور التي لم تكتشف بعد .

وصادرت أموالهم المنقولة وغير المنقولة ، وسلبتهم حتى المستمسكات الشخصية التي اكتسبوها قانوناً ، كما هجرتهم سيراً على الأقدام وسط الألغام ومناطق القتال المحرمة وبين حقول المتفجرات والأسلاك الشائكة ، مجردين من أي غطاء تحت أقسى الظروف المناخية ، وتركتهم في مجاهل الحدود تحت رحمة الله .

وكانت بتلك الأعمال تترجم حقدها الطائفي والسياسي الدفين ، وكانت الأساليب تنفذ بناء على أوامر صارمة من الدكتاتور ، بالنظر لما لمسه من تعارض ومقاومة من تلك الشريحة العراقية المظلومة والتي كان النظام الصدامي يطلق نعوته غير المنصفة وغير العادلة بحقها ، منها الطابور الخامس والعجم والأجانب ، وقد تم تهجير وتسفير أكثر من ثلاثمائة ألف كردي فيلي خلال الفترة من 1970- 1982 من مختلف المدن العراقية .

واستمرت السياسة الصدامية تكرس جزء كبــير من سياستها الأمنية والظالمة ضد الكرد الفيلية ، وبالغت السلطة البائدة في كراهيتها وظلمها لهذه الشريحة التي طالما افتخر بهم أبناء العراق بكل قومياته المتآخية ، ولن نستعيد مالحق بالكرد الفيلية من عذابات واجهوها بقوة وصمدوا رغم كل تلك الظروف والمحنة التي مرت عليهم وزادت من صلابتهم ووقفتهم الأصيلة وأبرزت نقائهم وعطائهم ، حين بقوا أوفياء للعراق وللقوى الوطنية التي تعارض النهج الفاشي والشوفيني الصدامي ، متفاعلين مع قوى المعارضة للعمل بشكل دؤوب وفاعل من اجل إسقاط سلطة الطاغية .

وحين سقط الطاغية الصنم استبشرنا خيراً بإزاحة الظلم والضيم والغبن عن العديد من الشرائح الوطنية التي لحقها الظلم الكبير وعلى امتداد زمن طويل من السلطة الباغية ، والكرد الفيلية من بين هذه الشرائح .

وبقينا ننتظر أن يلتفت المسئولين في الحكومة المؤقتة أو الأحزاب العراقية الوطنية الى ضرورة أن يتم إزاحة أطنان الظلم التي أثقل بها كاهل أكتاف الشيوخ والعجائز الفيلية ، وبقينا ننتظر لحلول الفرصة التي ترد لهم بعض فرحتهم وحقوقهم ، وقد كتب العديد من الأخوة الذين ينتصرون لقضايا حقوق الانسان ولقضية الكرد الفيلية بشكل خاص ، لهذا الأمر وطالبوا بالإسراع في وضع الحلول التي تشعر الكرد الفيلية انهم غير منسيين .

لقد تم استلاب الحقوق من الكرد الفيلية منقولة وغير منقولة ، وقد تصرفت السلطة الصدامية بهذه الحقوق ، واستفادت من نمائها ومن منفعتها بشكل واسع ، وخصصت دوائر في المؤسسات الأمنية تخصصت بأموال الكرد الفيلية لتستغلها أبشع استغلال .

ليس فقط مصادرة الأموال المنقولة ، وإنما استغلالها من قبل دوائر السلطة وأفراد الأمن والأجهزة الأمنية الأخرى ، وتوزيع عدد منها بعمليات بيع صورية وبائسة في عمليات مزايدة محددة و صورية مرسومة سلفاً ، وبيع عدد كبير من العقارات الى المواطنين لتغيير شكلها وواقعها .

وإذ نجد أن السلطة المؤقتة والبرلمان المؤقت يلتفت الى قضية شهادة الجنسية ، حيث قررت الحكومة أن تعيد الجنسية العراقية لكل واحد منهم أسقطها عنه صدام البائد ، فأن إلغاء العمل بشهادة الجنسية كان ضرورة وطنية ليس فقط للكرد الفيلية ، وإنما لكل المجتمع العراقي بالنظر لأثرها السلبي ، وقصدها السيئ على واقع المجتمع العراقي .

فالمجتمع العراقي وبماعرف عنه من تنوع ديني وقومي ومذهبي ، كان خليطاً من الأعراق والأجناس والديانات والمذاهب ، مما يجعل الصورة واضحة من خلال صفحات التاريخ العراقي التي ابلى بها الإنسان بغض النظر عن ديانته او قوميته او مذهبة وثقافته من عطاء للعراق .

ليس فقط إلغاء العمل بشهادة الجنسية مايرفع الضيم عن كاهل الكرد الفيلية ، فقد سلبت السلطة حقوقهم وأضحوا دون حقوق مدة غير قصيرة من الزمن ، وعلى السلطة المؤقتة أن تستغل وجودها المؤقت لتعمل قبل غيرها على تمكينهم من استعادة حقوقهم بسرعة ، ووفقاً للحاجة الملحة التي صاروا عليها بعد سقوط الطاغية ، وعلى البرلمان العراقي المؤقت أن يستغل هذه الفرصة ليكرم الكرد الفيلية ويعيد لهم جزء من حقوقهم المسروقة والمسلوبة والمغتصبة ، وأن يمكنهم من استعادة هذه الحقوق بطرق قانونية سهلة لاتدخل فيها الأساليب التقليدية في الدعاوى ، فقد شبعوا ضيماً وظلماً ، وحين سلبت حقوقهم لم يتبع معهم أحد الطرق القانونية أو الدستورية .

وهي فرصة للقوى السياسية للتعبير عن مدى امتنانها لهذه الشرائح المعطاء ، وتعبير عن الوفاء لمن قدم وضحى من أجل العراق ، وهي فرصة لإثبات صدقية الوقفة الوطنية في الزمن المر .

ليس فقط باستعادة الجنسية التي سلبها صدام منهم يمكن ان نعيد لهم بعض من هيبتهم وبهائهم وفرحتهم ونعيد لهم مافقدوه من أعمارهم وتشتيت شملهم ، ليس فقط بإعادة ماسرقته السلطة البائدة من عقارات وأملاك وأموال و وثائق وحقوق مملوكة لهم صرفاً ، علينا أن نجد طرق قانونية وفقاً لأساليب القضاء المستعجل ، نختصر فيها المراحل والمدد القانونية ، في تعويض من تراه الهيئات القضائية جديراً بالتعويض وبشكل متناسب مع اعتبار لتحديد الفترة التي تمت مصادرة وسلب أمواله المنقولة منها أو غير المنقولة ، وأن نعيد لبعضهم عقاراتهم التي استغلتها السلطة مع تعويض عن فترة الاستغلال عن فترة حرمانهم من استغلال العين المسلوبة والمستغلة لصالح السلطة البائدة ، وأن تحسب لهم المدد التي تم تهجيرهم بها دون سند من القانون أو الدستور مدداً للتعويض ، وأن يتم تشكيل لجان للتخفيف عن كاهلهم الظلم الذي تراكم عليهم حتى يمكن أن يستعيدوا أنفاسهم عما لحقهم من قطع النفس وباستمرار ، وملاحقة السلطة البائدة لهم حيث لاحقتهم بخسة ودناءة خلال زمن ليس بالقصير خسروا فيه أبنائهم وآبائهم وبناتهم وأطفالهم ووطنهم وأملاكهم وغيرت معالم حياتهم ومستقبلهم ، فقد تقطعت بهم السبل وتناثروا في دول أوربا يتوزعون دون ان يتعرف احدهم على الاخر الا بصعوبة بالغة ، كما باتوا يحملون جنسيات غير جنسيتهم ، ويتحدثون بلغات غير لغتهم ، وكما فرض عليهم الوضع الجديد ان يتأقلموا مع واقع الحياة الجديدة ، وأن يتعلم أولادهم لغة تلك البلاد ، وهم أهل العراق الاصليين ويمثلون جزء من الشرف العراقي الذي طالما جاهدنا جميعاً وناضلنا جميعاً أحزاباً وشخصيات وطنية من أجله .

ليس فقط بعض القرارات ماتعيد البهاء والسرور للعوائل التي نتفق جميعنا على انها تمثل جزء عزيز وكبير وفاعل من شرف العراق ، وليس فقط التمنيات والوعود مايعيد الحق للكرد الفيلية ، وحتى يمكن أن نعالج معاناتهم ومحنتهم بشكل أكيد وعملي ينبغي أن نعمل على منحهم الحق بأوسع معانية وبما يستحقونه أنسانياً وقانوناً وشرعاً ، وان نسعى جميعاً لتلبية مطاليبهم واستعادة حقوقهم .

نرى ان الفرصة لم تزل سانحة للخيرين في السلطة العراقية الجديدة للالتفات الى هذه الشريحة لمسح دموع ابنائها ومواساة عجائزها التي بقيت مصرة على العطاء للعراق ، ولم تزل العديد من عوائل الكرد الفيلية لم تستطع العثور على جثث أو قبور أولادها ، ولم تستطع لحد اليوم العديد من عوائل الكرد الفيلية تتوسل الطرق القانونية والدروب لأستعادة أملاكها وعقاراتها ، ولم تزل لحد اليوم من العوائل الكردية الفيلية ممن لم تجد لها غفارا قائماً ، ولا أعيد أولادها إلى وظائفهم ولاأستعاد اولاد الشهداء منهم منزلتهم وتميزهم وحقوقهم ، ونهيب بالأحزاب العراقية العربية والكردية والتركمانية والآشورية والكلدانية أن تتبنى قضيتهم الأنسانية ، فهم من العراق والى العراق ، وهم ملح هذا العراق عجنوا أرواحهم الملهوفة بترابه وصيروا أضلاعهم الراية التي ترفع هامته ، على تلك التجمعات والأحزاب أن تبرز وجعهم وتتوحد جهودهم الخيرة من اجل أيجاد الحلول ليس فقط المستعجلة ، وأنما القريبة من الواقع والحق والعدل ، حتى يشعروا بأنسانيتهم في هذا العراق الجديد ، ويشعروا أن أحدا لم ينسهم ، ويشعروا أن الوفاء هو القيمة الجديدة التي نستعيدها في هذا العراق بعد ان غسلناه من أدران الماضي البغيض حين كانت القيم الهجينة التي يعتقد بها صدام البائد .

علينا أن نسعى لجمع رفات شهدائهم الذين تبعثروا في مجاهل الأرض وفي بقاع متعددة من العراق ، وأن نبحث معهم بجد عن المقابر الجماعية السرية التي ضمت رفات رجالهم ونساؤهم ، وعلينا أن نعيد قراءة التاريخ العراقي بما ينصفهم ويقول الحقيقة عنهم ، وعلينا أن نعلم أجيالنا القادمة حجم التضحيات والمواقف المشرفة والوطنية التي وفتها الكرد الفيلية .

علينا أن نستذكر هذا ونحن نشاهد الكرد الفيلية بيننا وأمامنا يقفون تمنعهم الكرامة وعزة النفس من المطالبة بالمشاركة في العملية السياسية أو الإلحاح على استعادة حقوقهم ، وهم أحق من غيرهم ، وهم أكثر جدارة من غيرهم ، وهم يحملون من الشارات العراقية مايجعلنا نحتار في صمودهم وجهادهم وتواضعهم وصبرهم ، فلم ينحنوا إلا لله ولم يركعوا للطاغية ولا لكل السلطات الطائفية والشوفينية ، ولم يرقصوا لهم ولم يطبلوا لهم ، فقد كانوا مع صف الشعب ، ومع صف المعارضين للظلم ، فقد كانوا دوما مع الحق و كانت عراقيتهم وكرديتهم ومحبتهم لإل البيت وكراهيتهم للتملق والجور مايجعلهم متميزين عن العديد ممن ولج الساحة بعد أن صار الطاغية الدكتاتور في قبضة العراقيين .

لهذا نقول لمن يقول أنهم من ضمن الأكراد المطالبين بحقهم في الفيدرالية ، فلم يزل الكرد الفيلية يشعون في مدننا العربية في العراق ليشكلوا جزء من تاريخها ومنظومتها الأجتماعية ، ولم يزل الكرد الفيلية يشكلون جزء مهم وحيوي من قيم العراقيين في المدن العربية حيث أمتزجوا بحق أمتزاجاً يدل على حقيقة التجانس الأنساني بين القوميات المتآخية في العراق .

ومن الطريف أن نذكر أن المدن والقصبات العراقية العربية لايمكن أن تفرط بأبنائها من الكرد الفيلية وتطالب بعودة المرحلين والمسفرين تحت شتى المزاعم اليها ، فقد اشتاقت لهم القيم والأخوة والتوحد وحياة خالية من الاضطهاد والاستغلال والظلم والتهميش ، وقد اشتاقت لهم الذكريات والعلاقات الأجتماعية .

وليس غريباً أن لايتم ذكرهم ولاالتفتت اليهم السلطة العراقية الجديدة ، لكننا بكامل ثقتنا أن الكرد الفيلية سيكونوا حاضرين في البرلمان أو في التشكيلات التي سترسم لنا العراق الجديد دستورياً او قانونياً ، فقد أصبح للكرد الفيلية أسماء واعدة ومهمة في رسم معالم العراق الجديد ، وأصبح لهذه الأسماء تأثير مهم ينبغي الالتفات إليه والاهتمام به والاستفادة منه مستقبلاً .

ولم يزل الكرد الفيلية مصرين على تميزهم علينا بكل هذا البهاء والعطاء والتضحيات ينتظرون دورهم في رسم معالم العراق الفيدرالي والديمقراطي وهم جزء لايتجزأ منه . بعد ان انتهيت من لقاء أخوي بمجموعة من الأخوة العراقيين والعراقيات في مدينة مالمو بالسويد ، بعد أن تلقيت دعوة كريمة من منظمة نسوية عربية تهتم بقضية الأنتخابات العراقية ، كانت حقاً ممتعة بما طرحه الاخوة العراقيين من أسئلة تهم الشأن العراقي وتنم عن الحرص والمتابعة لشؤون العراق .

بعد أن انهيت اللقاء اوقفني شاب في عمر الورود وسألني عن كيفية حصوله على المستمسكات العراقية التي تثبت عراقيته حيث أنه من أبناء الكرد الفيلية ، وقد تم تسفيرهم بعد أن تمت مصادرة أموالهم وبما فيها المستمسكات الأصولية التي تثبت عراقيتهم ، وانه يريد أن يشارك بهذه الانتخابات كأي عراقي يحلم بوطن يضم الجميع ويرد الأعتبار للضحايا الذين لم تحل قضاياهم بعد ، بما فيهم الشريحة الوطنية والعبقة الكرد الفيلية .

ولطالما رددنا بأن الكرد الفيلية تحملوا من الظلم مالم تتحمله الشرائح العراقية التي ظلمها وجار عليها صدام ، فقد مارست السلطة الصدامية مع الكرد الفيلية أخس الأساليب وأحقرها ، وسلطت عليهم نماذح نتنة من البشر الذين اوغلوا في عذاباتهم والتنكيل بكرامتهم .

فقد أنتزعت منهم وثائقهم ومبرزاتهم الرسمية العراقية التي تثبت عراقيتهم وأصالتهم وقررت أتلافها وأصدرت القرارات التي لاتستند على أساس قانوني بألغاء هذه المستمسكات .

الأكراد الفيلية كانوا في العراق قبل أن يصير العراق ولاية تابعة للحكم العثماني ، وقبل أن يصير الحكم الوطني وتصبح الملكية ومن ثم السلطات الجمهورية التي تعاقبت على حكم العراق .

وكان الكرد الفيلية عمود من أعمدة الأقتصاد الوطني ، وشريحة مهمة وفاعلة في الحياة الأجتماعية العراقية ، ودون الأكراد الفيلية كان المجتمع العراقي مبتوراً وناقصاً ، لأنهم يشكلون مايمكن أن يسجل مفخرة ومآثر وطنية في الحياة السياسية العراقية .

ولأن الأكراد الفيلية من أتباع آل البيت ، كما أنهم من الكرد الاقحاح ، بالأضافة الى كونهم وبحكم الأنتماء الطبقي في العراق فقد انخرطوا في العمل ضمن الأحزاب العراقية الثورية المناضلة والمتطلعة نحو مستقبل سعيد للإنسان ووطن حر يتمتع به الجميع بغض النظر عن القومية والجنس والدين .

وبالرغم من الصيحات العالية التي أطلقها كتاب ومحللين ومفكرين الى السلطات العراقية التي أخذت على عاتقها أدارة دفة مركب العراق للوصول الى شواطئ الآمان بعد سقوط الدكتاتورية ، حول ضرورة الالتفات الى الكرد الفيلية التي أوغلت السلطة البائدة بقسوة في عذاباتهم ومحنتهم ، واستحوذت على أموالهم وعقاراتهم ، وسلبت منهم وثائقهم وأدلة الإثبات المتوفرة لديهم ، ثم قامت فوق كل هذا بتجريدهم من كل شيء وتسفيرهم الى مناطق الحدود الآيرانية ، وتركهم في العراق في درجات الحرارة المنخفضة تحت رحمة الطقس المروع مما أفقدهم العديد من الأرواح ، وبعد كل هذا وقعت العديد من مجاميعهم فريسة حقول الألغام التي زرعها العراقيين والآيرانيين على الحدود .

وبعد ان وصلوا الى إيران حددت الحكومة الإيرانية إقامتهم في مخيمات بائسة بأعتبارها تعلم حق اليقين انهم عراقيين وأكراد وحددت لهم حركتهم وحريتهم ، كما أنها منعت عليهم العمل والتصرفات القانونية التي يضمنها لهم القانون الدولي والمأساة أن المنظمات الدولية والأمم المتحدة لم تول قضيتهم ذلك الاهتمام الإنساني الذي يليق بقضيتهم وبأعدادهم المسفرة .

كما لم تلتفت المنظمة الدولية ولامنظمات حقوق الانسان الى الأعداد التي ابقتها السلطة البائدة منهم وخصوصاً الشباب محجوزين في سجون ومواقف بعيدة وصحراوية وإخضاعهم كوسائل للتجارب الكيمياويــة وإبادة العديد منهم نتيجة ذلك ، وإعدام العديد الآخر منهم ودفنهم في مقابر جماعية استكشف منها القليل ، ولم يزل بانتظار أن يتم أماطة اللثام عن الباقيات .

واللافت للنظر أن مأساة الكرد الفيلية لم تلق الاهتمام الذي يليق بها من جانب السلطة المؤقتة والدليل هذا الشاب الذي فقد أهله والمستمسكات لديه ، ومثل حاله العديد من العراقيين الذين لايستحقوا سوى التبجيل والتقدير ، فالجنسية هي عقد بين المواطن والدولة ، فأذا كانت الجنسية هي من تتشرف بهذه الشريحة الأنسانية الأصيلة والتي أعطت العراق العديد من الرجال والشهداء والتضحيات ، وأذا كانت الجنسية العراقية هي من تتشرف بهذه الأسماء الممتلئة تضحية وعذاباً وجب أن يتم أنصافها بقرارات وطنية تعيد لهم حقوقهم من الأموال المنقولة وغير المنقولة ,ان يتم شمولهم بتخصيص لجنة قضائية تكون أحكامها باتة وسريعة التنفيذ وتشمل بالقضاء المستعجل ، كما يتم الإيعاز الى جميع دوائر الأحوال المدنية لإعادة الوثائق والمستمسكات الى هذه العوائل والى أولادهم ممن ولدوا في المنافي .

وفوق كل هذا أن يتم أنصاف الذين توفوا منهم باعتبارهم شهداء من أجل العراق وتخصيص الرواتب لعوائلهم بالنظر لكون ماطالهم لم يكن لهم يد فيه ، وبالنظر لتعسف السلطة الصدامية في حقهم وبعثرة حياتهم ، كما انهم ونتيجة هذا العذاب والسوء الذي لحق بهم يستحقون التعويض قانوناً وشرعاً عما لحقهم من ضرر جسيم وعما فاتهم من استقرار وربح وحياة تليق بهم بعثرها صدام البائد .

منذ سقوط الطاغية في نيسان 2003 سيقترب الزمن من سنتين لم تجد شريحة الكرد الفيلية أي اهتمام يرقى الى مستوى العذاب والمحنة التي وقعت عليهم وطشرتهم في أصقاع الأرض وشتتت شملهم وفرقت بين أحبتهم ، لم تجد هذه الشريحة الاهتمام والقرارات التي تمسح دموعهم وتنسيهم بعض مآسيهم ، وعلى أمل ان تتفرغ السلطة والأحزاب العراقية الوطنية التي طالما راهنت عليهم ولوعدتهم حال سقوط السلطة بوعود كثيرة ، لم تجد هذه الشريحة القرارات التي تعيد الاعتبار لهم وعاملتهم معاملــة أي عراقي فقد وثائقه أو أسقطت عنه الجنسية .

حقيقة الأكراد الفيلية ان الله ابتلاهم بالصبر الكبير وبالعذاب الكبير ، وحقاً اننا نندهش لصبرهم وتهدئة حالهم ، مع مالحقهم من ضياع لحقوقهم وحياتهم ، فقد بقوا يعطون للعراق ويساهمون بشرف في بناء العراق بصمت وكبرياء العراقيين الأصلاء ، وبصمت وقبول الذي تطغي مصلحة العراق على مصلحته ، ولكن لايمكن أن نستغل هذا الجانب الإنساني ، ولايمكن أن نصمت على صمتهم ، فالعراق لابد أن يتذكر أبناءه النجباء والخيرين من الكرد الفيلية .

أقول لولدي الذي استوقفني في باب جمعيـة المرأة ان العراق ليفتخر بالكرد الفيلية ، وطالما أردد ان الجنسية العراقية هي من يجب أن تفتخر بهم ، وأن كل صاحب وجدان وضمير حي ويعرف تفاصيل التاريخ العراقي في زمن المحنة التي أوقعها صدام فوق رأس العراق يعرف جيداً مدى الحيف والظلم والمأساة التي حلت بالكرد الفيلية .

قليلاً من الانصاف بحق الشرفاء من أبناء العراق
قليلاً من الاهتمام الذي يليق بتضحيات الكرد الفيلية أيها القائمين على مواقع المسؤولية
ننحني إجلالا للشهداء والتضحيات الجسام التي قدمها الكرد الفيلية قوافل من البشر ومن كل الجناس والأعمار في الزمن الرديء والعاهر دون ضجة ودون أن يبكي عليهم العالم .

لم يزل الكرد الفيلية ينتظرون دورهم في الانصاف فمن يتقدم عليهم مع محنتهم التي لم تتحملها الصخور والجبال ، بالرغم من كل الأساليب التي نهجتها السلطات المتساقطة كورق الشجر اليابس في العراق للانتقاص من الكرد الفيلية ومحاولة الأنتقام منهم ، فقد تحملوا جراء السياسات الشوفينية والطائفية واليمينية قسطاً من العذابات الأنسانية والظلم الإنساني طيلة السنوات الطويلة لتي أمتد بها الحكم الملكي وزمن الانقلابات .

والكرد الفيلية ليس فقط من سكنه العراق القدماء ، وليس فقط أن تاريخهم القديم ومدنهم وحواضرهم وأمرائهم لايمكن ان يستمر التستر عليها في كتب التاريخ بعد رحيل هذه السلطات الغاشمة ، حيث سيكتب التاريخ بأنصاف وصدق تاريخهم المشرف وسلطاتهم ومدنهم العراقية التاريخية الأصيلة .

من معدن العراق الصلب شكلوا صلابتهم ، ومن رحم الأمة الكردية التي فرض عليها التمزق والتفرق وخوض الحروب وتحمل المآسي والنكبات وعدم الاستقرار خرجت أجيالهم ، ومن الاصطفاف مع المحرومين والمظلومين تفتحت عيونهم في أحزاب الفقراء ، ومن محبة ال بيت رسول الله ( ص ) والانتصار اليهم تمسكوا بمذهبهم ، من محنة العراق التي عجنتهم صاروا وقوداً للحركة الوطنية ، والنوارس التي تضيء للعراق طريق الظلام ، وأستمروا بأجسادهم وصدورهم العارية يناطحون قساوة السلطات وظلم الأجهزة الأمنية ، وعبثا حاولت هذه السلطات أن تنال منهم ، وتمكنت أن تسحق منهم رجالاً ونساء ، وتمكنت السلطة وأجهزتها الأمنية أن تصادر حلالهم وعرق جبينهم ، لكنها عجزت أن تذلهم ، لم تستطع السلطات البائسة أن تجعلهم يركعون سوى لله ، ورغم كل مانالهم من ضيم وظلم باتوا ينظرون الى رجالات السلطات التي انهارت كورق تافه وينتهون فيما يبقى الكرد الفيلية كنخيل العراق وجبال كوردستان ، كما كانوا يتبرعمون دوماً ويشيعون الضوء والمحبة بين أركان العراق ويبتسمون لحقيقة نهاية أعداؤهم وأعداء الأنسانية عارفين انهم مع العراق .

بقي الكرد الفيلية يعتزون بكرديتهم لم تستطع السلطات البائدة أن تلوث قوميتهم أو تزيف تاريخهم ، بقي الكرد الفيلية يعتزون بأصالتهم ووقوفهم مع كل العراق ، لكن عيونهم ترنو باتجاه أمتهم وأخوتهم .

وحين نهجت السلطة الصدامية البائدة نهجاً بعيداً عن الأنسانية ومخالفاً لكل شرائع الأرض بسحب شهادات الجنسية عنهم وإسقاط جنسيتهم لأسباب طائفية لاتخفى على المتابع الفطن ، وحين قامت السلطات الصدامية بنفيهم وتشريدهم وتفريق الرجال عن النساء ، وإخضاع الشباب الى الموت بالتجارب الكيمياوية وحقول الألغام ، وحين قامت السلطات بتشريد النساء والأطفال بمعتقلات لايصلها البشر وسط صحراء السلمان وقلاع متروكة بعيداً عن أولادهم ، وحين صودرت أموالهم وممتلكاتهم دون وجه حق ، وحين تم تهجير ألاف العوائل منهم دون وجه حق ، قوبلوا بصمت مريب وسكوت خانع من الأسرة الدولية ، لم يسمعوا أحداً يقف معهم ولم يقرئوا شيئا كتب عن مصيبتهم ومحنتهم الأنسانية ، قيل لهم أن محنة العراقيين كبيرة فأصبروا حتى يكتب الله لكم أمراً كان مفعولا، فصبروا وجاهدوا وناضلوا ضمن صفوف المعارضة بكل ما يملكون .

أنتشروا في كل أصقاع الأرض دون شهادات او مستمسكات يلوذون بها ، انتشروا في أركان العالم لايملكون سوى أرواحهم وهي رهن أشارة العراق دائماً ، وكان الفعل والفاعل في كل المؤتمرات والندوات والكتابات ، حتى حل يوم سقوط الطاغية وهو يلوذ بحفرته الشهيرة .

وحين فركوا أعينهم من حلم الليل الطويل والدامي والمرعب ، لم يلتفت اليهم أحد مرة أخرى ، لم ينصفهم أحد في العراق الجديد ، لم يمنحهم الحنو والدفء الذي كانوا بحاجة ماسة له ، لم يفكر أحد في قرار يعيد لهم حقوقهم ويعوضهم عن خسائرهم الأنسانية ومافاتهم من عمر انفقوه في غربتهم وأغترابهم ، لم يفكر أحد في طريقة يكرم بها شهداء الكرد الفيلية ويعيد البهاء والسرور لأولادهم وبناتهم ، لم يفكر أحد ان يجد لهم ملاذاً لعوائلهم حين تعود الى الوطن .

ووظفت السلطات العراقية العديد من القضايا القانونية لصالح تطبيقاتها الشوفينية الكريهة بحق الكرد حينما أستغلت قانون الجنسية أسوأ أستغلال ، وتعتبر شهادة الجنسية العراقية التي كانت تستعملها كسيف مسلط على رؤوس العراقيين من أبناء الفرات الأوسط والجنوب عموما ، كما قامت بتشريع قوانين تمنع الكردي والتركماني من ممارسة حقوقه الوطنية المقررة في الدستور العراقي بحجة التنظيم والأصول والضرورة والوضع الأستثنائي ، وربطت تصرفات قانونية بأجهزة الأمن والمؤسسات الأستخبارية مع مقدار تعاون المواطن ورضاها عنه ، دون الآلتفات الى نصوص الدستور التي كانت تصرخ بالشراكة الوطنية للجميع دون تطبيق ودون أن يلتفت اليها أحد .

ليس ثمة شك أن الهدف الذي يريد النيل من الكرد الفيلية مهما كانت اشكاله وأطرافه له أسبابه ومبرراته الخاصة ، فليس دون قصد أن تعيد النغمة التي روجها صدام نفسها بحق الشريحة العراقية الأصيلة والمناضلة من أبناء العراق من الكرد الفيلية بأعتبارهم أيرانيين ، وليس اعتباطا أن تعيدها بعض الأصوات التي احتلت مناصبها وجلست على كراسيها في الجمعية والبرلمان هذه النغمة ، ومن المحزن أن هذه الأصوات ماكان لها أن تجلس في مجلس النواب الا بفضل المواقف التي تحققت بفضل تضحيات ودماء أبناء الكرد الفيلية ، نفس الأطروحات الشوفينية التي تغمط حقيقة الكرد الفيلية وتسيء اليهم دون ان تعي انها تسيء الى العراق ، بل وتزيد اوجاعهم وهم منشغلين بالبحث عن جثث أحبتهم التي غيبها نظام صدام ، وهم منشغلين بأن يجدوا لهم موقعاً ضمن هذا السباق العجيب والغريب الذي يتناساهم عمداً ، وهم أحق من غيرهم بهذه المراكز والمناصب .

وإذ نستعيد التضحيات الجسام التي تحملها الكرد الفيلية وهم ينازلون السلطات الشوفينية التي انشغلت بمحاربتهم مستغلة أخس الأساليب دون أن يكلوا أو يملوا من مطالبتهم بعراق ديمقراطي وفيدرالي يتسع للجميع ، حيث سجل لهم التاريخ الحديث مناطحتهم للسلطات الطائفية المريرة التي تعاقبت ، وتحملهم العذابات والنتائج القاسية جراء تلك المواقف الوطنية .

لم يزل حتى اللحظة من يريـد تهميش الكرد الفيلية مع أن عطائهم العراقي ودماء الشهداء ( يقيناً أن المسئولين اليوم في العراق لايعرفون أسماء وأعداد شهداء الكرد الفيلية ) ، ويريد ان يجعلهم رقماً سهلاً يتم تغييبه ضمن لعبة الدوائر الأنتخابية المتعددة التي لاتدعمها الأحصاءات الرسمية ولاالظروف الموضوعية والذاتية التي يمر بها العراق ، والتي لاتقصد سوى تهميش صوت الكرد الفيلية أكثر من غيرهم ، باعتبارهم متوزعين ضمن المدن العربية في العراق .

ومن الغريب ان يتم الطرح هذه المرة من مراكز سياسية تتشارك مع الكرد الفيلية في الالتزام بالمذهب ، ومن الأغرب أن يتم التأكيد على هذا الاتهام في هذه الفترة بالذات ، ويتم استغلال التشرذم الحاصل في نفوس الكرد الفيلية ، فهم وحدهم مشتتين الانتماء دون ان يتم استيعابهم من قبل أحزابهم القومية ، وهم وحدهم من تم سلب حقوقه واستحقاقاته دون ان يعترض او يصرخ ، وهم وحدهم يتم تقسيمهم وقصقصة أجنحتهم وتشويه تاريخهم ، وأذ يشتركون مع اخوتهم الأيزيدية والشبك في توزيع الظلم ، فأن كمية الظلم الملقاة فوق أكتاف الكرد الفيلية ، واستمرار الظلم ليس فقط في الزمن العارفي والبعثي والصدامي ، وانما أمتد ليستمر في الزمن الديمقراطي الجديد ، فلم يتم الالتفات الى شهدائهم ولاتم تكريم عوائلهم ، ولاتم الالتفات الى مفقوديهم ، ولاشرع البرلمان قرارات وقوانين تتناسب مع حجم فجيعتهم ومصيبتهم ، ولافكرت الحكومة في مداواة جراح الأمهات والثكالى والشيوخ منهم ، ولاأعادت لهم حقوقهم وأملاكهم المنقولة وغير المنقولة المسلوبة ، ولاكشفت لهم الدوائر الأمنية أماكن قبور أولادهم ، ولامسح المسئولين في الأحزاب الحاكمة دموع أطفالهم .

فهم من الفرس المجوس الذين ينبغي أن ندرج تلك التهمة في هويات الأحوال المدنية ، فأي مصيبة أبتلي بها العراق ، وهو يسلم زمام قيادته الى من يفتقد لمعرفة أصول التاريخ العراقي ، ويبقى الكرد الفيلية بين حيرة التجاذبات السياسية التي تراكم عليهم الضرر والظلم ، وبين الظلم الذي جعله صدام أطناناً متميزة من العذابات الأنسانية الصامتة .

وهاهم يلوذون بشعب العراق مرة اخرى مستعدين أن يتقدموا الصفوف دائما وكما عهدناهم للعطاء الوطني ، رغم مصائبهم ، فقد أكلت منهم السجون العراقية ، وامتلأت دوائر الأمن بأضابيرهم ، واحتضنت الأرض العراقية المئات بل عشرات الآلاف من رفات أجسادهم الطاهرة ، ونقشوا أسماؤهم بأظافرهم على زنزانات المخابرات ودوائر التسفير في الجنسية العامة ، وهاهم جزاريهم يتجولون في شوارع بغداد دون خوف او مسائلة ، وهاهم من قام بتخريب حياتهم وسرق أحلامهم وأموالهم يتبوءون المراكز ويتقلدون المناصب ، وهاهم ينسلون من الاتهامات التي وقعت على رأس المتهم الأول فيها صدام .

فقد كان صدام يتبادل الكراهية المرة مع الكرد الفيلية ، فلا تتبادلوا الكراهية معهم ، ودعوهم بوجعهم ومصيبتهم ، ولاتزيدوا حزنهم ، فمن العار أن يكون التشوية وسيلة للوصول الى غاية .

دعوا فارسية الفرس للفرس ودعوا الأكراد الفيلية نتفاخر بأصالتهم الكردستانية وأنتمائهم للعراق .
والعراق اليوم وهو يخطو الخطوات الاولى بأتجاه ترتيب حقوق جميع المكونات ، لا يمكن ان ينسى دور الكرد الفيلية في التضحية والجهاد والأستعداد من اجل العراق الفيدرالي والديمقراطي .

ولهذا فأن هناك حقوقاً غائبة بحاجة ملحة الى معالجة ، فعلى مدى العقود الماضية التي حكمت بها سلطات مختلفة شعب العراق ، كانت هناك أشكاليات ومظالم لم تشأ اي من السلطات الحاكمة المتعاقبة أن تنظر لها بعين العدل والأنصاف وأن تعطيها حقها الإنساني أو على التطبيق الحقيقي لنصوص الدستور العراقي الأساسي منه أو المؤقت .

المأساة أن هذه السلطات زادت من اساليبها القمعية في سبيل أن تجعل الغبن والحيف والظلم الذي لحق بهذه الشرائح العراقية أمراً واقعاً ، وأن لاتسمح لأي منها أن تصدر صوتاً معارضاً أو وجهة نظر أو اعتراض أو مطالبة بالحقوق وتحريم كل هذا تحت زعم حماية العراق ووحدته .

ثمة من يقول أن شعب العراق جميعه وبكافة أطيافه كان يعاني من الظلم والتهميش وتغييب الحقوق والدليل التخلف الذي كان عليه العراق ولم يزل بالرغم من الثروات الهائلة والأموال التي يمكن أن تقوم بأعمار منطقة الشرق الأوسط في حين يعيش العراق حياة أشبه بحياة شعوب الدول الفقيرة والأفريقية التي تفتقر لأي مورد طبيعي أو معدني .

لكن هذه الشرائح التي تحملت الضيم دون ان تستطيع أن تعبر عن رفضها أو عن حقها في حياة تليق بالأنسان في هذا الوطن ، للعربي حق ومن ضمن الحقوق التي اعتمدتها السلطات البائدة اعتماد الطائفية المقيتة التي نشرت الظلم والغبن لأبناء العراق ، في حين لم تستثن أحد من هذا الظلم .

مارست السلطات التي تعاقبت على حكم العراق دون استثناء على نشر الظلم والموت والغبن ضد الشعب الكردي في كردستان العراق بشكل عام ، واستكثرت عليه المطالبة بحقوقه المشروعة والتي اختارها بإرادته وكانت تزعم حججاً غير صادقة من بينها وحدة العراق والتخوف من الانفصال أو هيمنة الكرد على الثروة النفطية ، وركزت قسوتها وظلمها على شريحة الفيلية منهم ، ومع أن الشعب العربي في العراق أستطاع أن يوصل صوته بالرفض وأن يطلق عالياً بشتى السبل والوسائل ما يؤكد هذا الرفض بواسطة الفعاليات السياسية والأحزاب والتجمعات السياسية ، وأن يعارض تلك السلطات ويتصدى لها ويقاتلها بشتى الوسائل الممكنة وفق الظروف الموضوعية ، والشعب الكردي أستطاع أن يقاتل من أجل حقوقه ولم يتوقف حتى تتحقق له هذه المطالب التي أيدها وساندها الشعب العربي .

الأكراد الفيلية الشريحة العراقية التي امتلأ تاريخها بالعذاب الإنساني من السلطات العراقية ، الأكراد الفيلية أشد من لحقهم الظلم والتهميش حين أعتبرتهم السلطات المتعاقبة شريحة مضادة للسلطة من خلال موقفهم الوطني العام المساند للحركات والأحزاب الوطنية ، بالأضافة الى اعتناقهم المذهب الجعفري الذي جلب عليهم وبال السلطات الطائفية المقيتة ، فصبت السلطات فوق رؤوسهم جام غضبها ، وانتقمت منهم بخسة فأقدمت على قلع جذورهم العراقية الأصيلة وشردتهم ، وأبعدت من تستطيع في المنافي العراقية الصحراوية ، وأقدمت على قتل شبابهم ووضعتهم بين فكي الرحى في اخطر المناطق الجغرافية الواقعة بين جيشين متحاربين وأسقطت عنهم جنسيتهم العراقية ومنعت عنهم كل الوثائق والأسانيد ووسائل الإثبات التي تثبت عراقيتهم وأصالتهم في هذا الوطن .

كما تعاملت مع التركمان بظلم واستخفاف ومنعت عنهم أبسط الحقوق القومية وحقهم في لغتهم أو الحقوق الثقافية والتمتع بأي شكل من أشكال الحكم الذاتي أو اللامركزي بالرغم من تفاعلهم وأصالة وجودهم العراقي وإخلاصهم للعراق .

ولم تنظر أي من السلطات بعين الأنصاف لهذه الشريحة العراقية التي لاتقتصر على منطقة كركوك وماحولها حيث يملأ التركمان قضاء تلعفر في الموصل وقرى متناثرة غرب المدينة مثل تيس خراب وباسخرا من قرى الحمدانية

وثمة شريحة عراقية أصيلة وقديمة قدم العراق تمتد جذورها الى عمق التاريخ الإنساني ، فالأشوريين من أهل العراق الأصلاء الذين لهم حقوق تم تغييبها والصمت عنها ، وارتكبت بحقهم المجازر وقدموا الضحايا من اجل المطالبة بحقوقهم وإيصال صوتهم ضمن مساحة الوطن ، الا أن السلطات الشوفينية استكثرت عليهم أن يصل حقهم وأن ينطلق صوتهم فعدت كل ما يصدر منهم محرمات تسيء للوطن والقومية .

كما للسريان والأرمن في العراق حقوق قومية وإنسانية ، يوجب الضمير العراقي أن يتم التعامل معهم بالمنظار الوطني العادل ، وبما يحقق مطالبهم المشروعة .

وليس أكثر من الأيزيدية التي همشت ديانتهم ومنعت عنهم الأقرار بأحقيتهم في ممارسة طقوسهم الدينية وأشاعت عنهم كونهم لايعبدون الله وهي غير حقيقتهم فهم موحدين يقرون بوحدانية الله ، ولم تعترف لهم بأي نص في الدستور يليق بهم وهم الأعداد التي تملأ المدن العراقية الكردية العديدة .

كما تم تهميش الصابئة المندائية واستخفت السلطات بديانتهم القديمة والعريقة وإحالة معاملاتهم بما لايليق بهم الى محاكم غير التي تحكم بقوانينهم وبشريعتهم ، ولم تنظر لهم بما يمليه عليهم حقهم في ممارسة طقوسهم وكونهم جزء من التراث الديني ولهم مشاركة وصوت في وزارات الأوقاف والشؤون الدينية .

وأذا تطرقنا الى (( الشـبك )) فليس أكثر من اطنان الظلم التي تراكمت على هذه الشريحة المناضلة والأصيلة والمجاهدة من أهل العراق والذين يملأون القرى التي تمتد من غرب الموصل قرب نهر الخازر وحتى قرى تلكيف والقوش على مشارف دجلة في مدينة الموصل ، وقد يستغرب الأنسان حين يعرف أن الظلم أبعد من الخيال حين منعت السلطات دخول الشبك الى الكليات العسكرية والشرطة ولم يسمح لهم أن يحلوا كمسئولين في دوائر الدولة بسبب طائفي مقيت لايمت للحياة الجميلة للعراق ، كما أهملت قرآهم ومدنهم التي تفتقر لشارع معبد أو بنايات ودور تليق بالأنسان .

ثمة حقوق كثيرة مغيبة في العراق لم تكن برغبة العراقيين وأنما كانت بسبق إصرار من السلطات التي تعاقبت على حكم العراق ، بالعقليات المنغلقة وعدم تقبل الفكر والرأي الآخر ، السلطات التي تعتقد بحق القومية الواحدة في ان تحكم بقية القوميات بأعتبارها الأعلى والأهم والأحق ، العقليات البائدة التي خربت العراق وزرعت بذور الوهم والتخلف والخراب في نفوس العراقيين ، العقليات التي استخفت بالأنسان وبحقوقه .

وفي سياق العذاب الذي يلقيه الكرد الفيلية ، وضمن حالة العذاب الإنساني التي قد يعتقد القاريء في زمان ومكان آخر أنها من قصص السياسيين أو المعارضين ، ومن أجل أن نوثق الرواية بشهادة عيانية ثابتة ، ومن أمراءة عراقية أصيلة أنتخت رغم محنتها تروي تفاصيل ما شاهدته شخصياً .

وفي رسالة وردتني من المواطنة السيدة صبيحة الحيدر وهي من الصابئة المندائيين تقول فيها عن زيارتها لزوجها السجين السياسي السيد جبار صكر الحيدر في سجن الأحكام الخاصة بأبو غريب : تم نقل زوجها من ردهة السجن الى المستشفى الخاص بالسجن لأصابته بمرض في المرارة ، ولتردي حالته الصحية فقد قرر الطبيب المشرف على السجناء نقله من القاعة التي يقضي بها محكوميته الى ردهة المستشفى بنفس السجن لمعالجته ، وقد وصل علمها حال زوجها فقررت زيارته خلال فترة الزيارة المقررة ، وعند مراجعته وجدت عينيه تدلان على كثرة بكائه وأحمرارهما ووضوح تعبهما ، ولما استفسرت منه عن سبب بكائه وتعب عيونه ، اخبرها أنه ليلة أمس كان ينظر من شباك الغرفة في مستشفى السجن وشاهد سيارات عسكرية تنقل شباب بعـمر الورود من ( الأكراد الفيلية ) كانوا عراة الا من الملابس الداخلية وفي عز الزمهرير في شهر البرد القارص في العراق شهر شباط ، وكانت أياديهم مربوطة الى الخلف ، وحين كانوا ينزلون من السيارات وهم مقيدين الىالخلف يتعرضون للضرب بالصوندات القاسية على أجسادهم العارية من قبل الحراس الذين كانوا يقفون أستعداداً لضربهم ، وكانوا يصرخون ويبكون ويشكون ظلمهم الى الله في تلك الساعات الهمجية ، وكان يلاحظ الالم وتلوي اجسادهم العارية من لسعات سياط الجلادين بواسطة الصوندات الممتلئة بالحصى .

ويسترسل السيد جبار الحيدر في الحديث لزوجته كما تقول في الرسالة ، ان مالفت أنتباهه ليس السيارات العسكرية التي تحمل عراقيين مدنيين ، وليس تعريتهم من ملابسهم فلربما صارت هذه سنة من سنن العمل الأمني في العهد الصدامي البغيض .

مالفت أنتباهه هو أعمار الشباب المتقاربة ، بالأضافة الى كونهم جميعاً من أبناء الكرد الفيلية ، فأذا كان الشباب من الأكراد الفيلية قد تم أعتقالهم من قبل سلطة صدام بتهمة عراقيتهم وكرديتهم ومذهبهم ، وتمت تعريتهم من الملابس في عز فصل الشتاء القارص في العراق ، وتم تقييد اياديهم الى الخلف ، فلماذا الضرب على اجسادهم وما الذي يبغيه وتريده السلطة منهم ؟ أي بمعنى هل للضرب نتيجة ؟ وهل هم في دور التحقيق ؟ أم انه يراد تعذيبهم والاستمرار في إلحاق الأذى بهم بأمر الطغاة ؟

فاذا لم تكن للضرب نتيجة أو سبب فهل أن السجان والجلاد المريض الذي يهوي بسياطه على هذه الأجساد الفتية والعارية يحقق رغبة مريضة مدفونة في عقل الرئيس البائد في كراهيته المقيتة للعراقيين ، وانتقام شاذ من الشرائح الطيبة والعبقة التي ملأت العراق تواصلاً وتفاعلاً وخيراً وتضحية .

يقيناً أن الجلادين لايقدمون على مثل هذا الفعل الخسيس لو لم تأمرهم سلطة الطاغية ، ولو لم يتم تكليفهم بأستمرار إيذاء الكرد الفيلية بالوسائل التي يستعملها الجلاوزة وعبيد الطاغية و تقم ذيول السلطة بالتعبير عنها في تعذيب الكرد الفيلية والحط من كرامتهم بوسائل وطرق يقدم عليها المشرفين على المواقف والسجون .

وهذه الجموع الشابة من الكرد الفيلية ، وتلك جريمة كبيرة يمكن أن تلصق بالأنسان العراقي في العهد الصدامي البائد ، فأن مجرد أن يكون الإنسان كردياً وفيلياً يعني هذا دون نقاش مع السلطة الصدامية أنه يعارض سلطة صدام ويناضل من أجل اسقاطها ، وتلك الأفتراضات لم تأت من فراغ ، فقد أثبت الكرد الفيلية أنهم الشوكة التي تنغرز في عقل وعيون الحاكم البائد ، والتي تنغص عليه أيامه وهو يوغل في دماء العراقيين ويخرب حياتهم ومستقبلهم ، فيلتفت الى جموع الكرد الفيلية ليأمر أذنابه ترويعهم والإمعان في تشتيتهم وممارسة أخس الطرق والوسائل التي تنال منهم ، وبالرغم من التغييب الذي صار لآلاف الشباب من الكرد الفيلية ، وبالرغم من المحاجر والسجون والحجز في القلاع والمنافي التي ضمتهم ، وبالرغم من المرارة والأبعاد القسري وتشتيت وحدة العائلة وتفريق الأطفال عن الأمهات ، والزوجات عن الأزواج ، وبالرغم من كل تلك الحملة الشعواء التي شنتها السلطة البائـدة والنهج المخزي الذي سارت عليه في محاربة الكرد الفيلية والذي كشف عن بشاعة الأساليب ووحشية العقل الدفين لدى الطغمة الحاكمة وعقم التفكير ، وبالرغم من سلخهم للكثير من شباب الكرد الفيلية عن عوائلهم لزيادة معاناة أمهاتهم وآبائهم وزوجاتهم وأطفالهم ، فقد بقي الكرد الفيليون في قلب التاريخ العراقي محاطين بتقدير واحترام ومحبة واعتزاز كل العراقيين عرباً وتركماناً وأكراداً وآشوريين وكلدان ، وسجلوا أسمهم الناصع بفخر وزهو في سجل التضحيات التي سطرها الشعب العراقي في نضاله ضد الدكتاتورية ، وبقي الكرد الفيلية أسماً متوهجاً وعالياً ومتألقاً في حين أنحدر أسم الدكتاتور البغيض الى مزبلة التاريخ مقروناً بلعنة الأنسانية وشتيمة العراقيين مدى الحياة .

شلت يد الجلاد الآلة التي كان يستخدمها الطاغية في ضرب اخوتنا وأحبتنا ، وشلت يد الجلاد والطاغية الذين ارادا للعراق أن يتشرذم ويتبعثر ويتمزق فبئس ما أراد والعراق يعيد نفسه ويبني ماتهدم من جديد ، كانوا يعتقدون أنهم مزقوا الجسد العراقي ، وقطعوا أوصاله ، فأذا به يعيد لحمته ويستعيد ابناءه يضمهم الى صدر العراق .

وحين نستقرأ ما حصل للضحايا والشهداء من الكرد الفيلية ، نجدهم لم يزلوا نوارساً في سماء العراق ، بينما قبع الطاغية في قفص الاتهام يحاكمه الشعب ، بائساً ومهاناً ومكابراً ومرعوبا ومشنوقا ، وبينما ترتفع الأكف بالدعوة للشهداء بالجنة ، تحلق أسماء تلك النوارس التي ملأت سماء العراق تضيء الدرب ، ترتفع الأكف مضمومة تتوعد و تضيق أيام الطاغية لتقتص منهفي الاخرة بعد إن ناله في الدنيا ، وهو الذي سلب الضحكة والابتسامة والنظرة الى المستقبل ، وهو الذي حرم النظرة الى المستقبل ، وطارد المحبة وكسرة الخبز واللحظات الهانئة في بيوت الفقراء ، ليس من لكرد الفيلية فحسب ، بل من كل العراقيين ، فأنتهى الى غير رجعة الى مزابل التأريخ تلاحقه لعنات الأمهات الثكالى ودموع الرجال المنكوبين ، ويسجله التاريخ مع الطغاة والمنحرفين في الدرك الأسفل من الملعونين .

سترحل كل تلك المآسي التي مرت في التأريخ العراقي ومعها كل جرائم النظام الذي أعاد العراق الى عصور التخلف وعاث في العراق فساداً ودمر القيم وحارب المحبة والوئام وأشاع الابتذال والانحراف وجعل المال والمنفعة والاحتيال والدجل الأسس التي قام عليها ، سترحل كل تلك الأيام ومعها كل قيم الابتذال ، غير أنها ستكلف العراق كثيراً ، ومثلما أعطى الكرد الفيلية التضحيات لتعبيد طريق الوطن والإنسان ، سيعطي العراق من أجل إن ينظف تلك الدروب الممتلئة بالأوحال الصدامية والأحجار التي تعرقل المسيرة ، وكل المطبات والعثرات التي تحاول عرقلة مسيرة الإنسان وتجسيد ما رسمه اهل العراق في تحقيق الأمل العراقي في الديمقراطية والفيدرالية والمجتمع المدني وحقوق الإنسان .

وحين نستعيد الخصوصية التي رافقت الكرد الفيلية فيما لحقهم من الجرائم ، وحيث أن سياق الأحداث يرتب قضايا متعددة تفرضها نوع الجرائم التي ارتكبت بحقهم ، ما يستدعي أن يتم ترتيب الآثار القانونية المدنية في تشريعات تصدر عن الجهة التشريعية ولها ليس فقط صفة الإلزام ، وأنما يتطلب الأمر شمولها بالنفاذ المعجل أو القرارات الخاصة بالقضاء المستعجل ، وإيجاد اية طرق وأساليب تختصر الزمن وتلغي مدد الطعن والجهات التي يمكن إن تدقق قضاياهم المدنية لأيصال الحقوق اليهم بما يتناسب مع فداحة الجرائم والفترة الزمنية التي حرم فيها الكرد الفيلية من التمتع بهذه الحقوق ، بالأضافة الى ما فاتهم من كسب أو ربح طيلة تلك السنوات العجاف .

لم نطالع بحثا نفسيا او فلسفيا يحدد التأثير النفسي على المجتمع الكردي الفيلي، مع ان ثمة من يقول أن العراق بأكمله تعرض لمثل هذه التأثيرات ، ونحن مع هذا الطرح ، ولكننا نتمسك بخصوصية التأثير على الكرد الفيلية ، الذين باتوا في ليلة وضحاها دون وطن ودون جنسية ودون مرجعية سياسية تجعلهم يقفون على الأقل على أطراف شواطئ الأمان ، عبر الكرد الفيلية البحار دون إن يعرفوا وجهتهم ودون إن يتعرفوا على ما يخبئه لهم الغد ، ودون إن يتعرفوا على وجهة الزوارق التي تقل إفراد عوائلهم ، ونزلوا الى الشواطئ مجردين من كل ما يمت للمواطن في العصر الحديث ، مجردين من كل السندات التي يحملها المواطن في أي دولة في الأرض ، فباتوا دون هوية ودون جواز سفر ، وفي وضع أنساني مأساوي لم يسبق له مثيل .

وأقتحم الكرد الفيلية مجالات الحياة على أمل إن يستعيدوا حياتهم المفقودة في العراق في اقرب فرصة ممكنة ، لكن أملهم كان يئن تحت وطأة السنين ، وفعل الزمن فعلته بهم بعد إن تمكنت السلطة الصدامية من بعثرتهم في كل زوايا الأرض .

وأمام تلك المحنة نجد إن للخصوصية الكردية الفيلية ما يوجب المراعاة والاهتمام ، كما لم نجد ذلك الاهتمام بتلك الجريمة الإنسانية التي تحققت أركانها المادية والمعنوية ، مع الاستدلال بوجود القصد من وقائع وتفاصيل وظروف ما حصل لهم ، وإذا كان وصف غير الإنسانية ليس كافياً في وصف ما حصل للكرد الفيلية ، فأن السلوك ألأجرامي الذي تم تنفيذه وتم التخطيط له من قبل البائد صدام وذيوله ، يدلل بما لايقبل الشك إصرار مرتكبي الجريمة على تلك الممارسات الهجينة والتي لاتمت للإنسانية بأي معنى ، ومع إننا بحاجة ماسة ليس فقط لتحليل السلوك المنهجي والمنظم للمجرمين ، فأننا بحاجة للتعرف على التأثيرات النفسية على الضحايا وإفراد عوائلهم ، وانعكاس ذلك الأمر عليهم بعد هذا الزمن .

وإذا كانت الجرائم التي ارتكبت بحق الكرد الفيلية تقع في فصل جرائم الإبادة الجماعية سواء منها بالقتل أو بفرض تدابير تفرض أحوال معيشية تهدف التسبب في الإهلاك المادي كلياً أو جزئياً ، أو ألحاق أذى بدني أو نفسي جسيم ، فأنها أيضاً تشترك في توصيف الأفعال المرتكبة بالجرائم ضد الإنسانية بوصفها جرائم خطيرة بقصد القتل العمد والتعذيب والحجز غير القانوني ، غير أن إخضاع ابناء وبنات الكرد الفيلية الى التجارب البيولوجية التي شكلت خطراً على الحياة كلياً أو جزئيا ، وهذه التجارب غير علاجية وليست بدوافع طبية ولم تتم بموافقة الضحايا ، مع علم الجناة بفداحة وجسامة الخسائر البشرية إزاء تلك التجارب التي يستعمل فيها البشر كجرذان للتجارب البيولوجية التي أراد الطاغية صدام إن يحارب بها أعداءه .

وثمة من يسأل عماذا يريد الكرد الفيلية بعد ؟
ثمة أسئلة يسألها أحياناً من لم يتعرف على محنة العراق وأوجاع قومياته ، (( وماذا يريد الكرد الفيلية بعد ؟؟ )) ، القلة من مبتوري الضمير من يشكك بالمحنة الإنسانية والمأساة العراقية التي حلت فوق رؤوس الكرد الفيلية ، ثمة سؤال مبطن يحمل الكثير من التأويل عن ماذا يريد الفيلية ؟ دون أن يكون السؤال منصفاً عن ماذا أخذ الكورد الفيلية وماذا تحقق لهم ؟ بل وكيف تحقق ؟

الأكراد الفيلية من أبناء العراق الذين ناضلوا ضد كل السلطات القمعية التي تعاقبت على حكم العراق منكرة حقهم الشرعي والقانوني في الحياة والمواطنة والاستقرار ، كانوا يعرفون يقيناً أن تضحياتهم وجهادهم لابد وأن تحقق لهم نتائج إيجابية لصالح مستقبل العراق الذي راهنوا عليه والذي حققته الإرادة الشعبية ، وكانوا يعرفون أيضاً المبادئ العامة لحقوق الأنسان ، وما أكد عليه الإعلان العالمي لحقوق الأنسان وحق تقرير المصير الذي منح الشعوب نصوصاً قانونية موجبة الإلزام لحريتها واستقلالها وخيارها الدستوري ، فأن هذه القرارات والمواثيق تم خرقها والاستخفاف بها من قبل سلطة صدام ، بغية الإيغال في تعذيبهم وتوظيف كل إمكانيات السلطة الصدامية ضدهم ، وكانوا يعرفون أيضاً حلم الأمة الكردية النابت في جذور الروح وأنهم جزء من هذه الأمة النبيلة ، ويعرفون أيضاً أن مرحلة صدام حسين قد انتهت ونفضت الدول التي ساندته يديها عنه ، وسار في خط العد التنازلي حتى وصل الحضيض ، ويقف اليوم في قفص الاتهام تقاضيه جماهير العراق ويؤشر عليه ملايين الضحايا والشهداء بأصابع الاتهام ، كما يعرفون ايضاً انهم تبعثروا في ارجاء الأرض ، انتشروا فيها طلباً للأمان بعد ان شردتهم العصابة التي حكمت العراق بالحديد والنار ، وأرادت لهم ان ينسلخوا عن جسد العراق ، غير ان ارواحهم بقيت هائمة فوق دجلة والفرات ، وفي أسواق ومحلات بغداد ، وفي المدن والقصبات التي نقشوا مآثرهم وطيبتهم وإخلاصهم فيها .

وأذ حاولت السلطة أن تسلخ الفيلية لي فقط عن قوميتهم ، فأنها أقدمت على توجيه الضربات القاصمة لهم وحدهم في محاولة لعزلهم عن ابناء الشعب الكوردي لأضعافه ، واستعدادا لضربات قوية اعتقادا منها أنها بهذه الأفعال والاعتقاد تستطيع أن تسكت صوت شعب كوردستان عن المطالبة بحقوقه وإبقاءه مستكينا وخانعاً تابعاً لسلطة الحكومة ، فهي وحدها من تمنح الحقوق وتقرر الحقوق ايضاً .

وأذ عانى الشعبين العربي والكوردي من النظام الشمولي والمركزي ، فأن المعاناة المبطنة للفكر الشوفيني والطائفي بدت اكثر وضوحاً في القوانين الاستثنائية والقرارات التي طالت العديد من العراقيين ترميهم على الحدود وتبعدهم عن تراب العراق وتضع العقبات والعراقيل في طريق استقرارهم ومستقبلهم .

وأدى هذا النظام ليس فقط الى سيطرة النزعة الدكتاتورية ومركزية السلطة وتكريس الفكر الشمولي والطائفي فحسب ، وانما أدى الى تدهور وتخلف مريع في الحياة العراقية بجميع إشكالها ، فقد عمدت السلطة إلى أحداث شروخ بين الشرائح العراقي ، وكرست بثقافتها المتطرفة والشوفينية قيم ومعلومات تمتلئ بالكراهية والاستعلاء والحقد ، ومهما كانت أسبابها فلم يزل المجتمع العراقي يعاني من التقسيم الباطل للعراقيين من ناحية الجنسية ، بين عراقي أصيل وعراقي تابع ، وبين عراقي وتبعية ، وبين مواطن وبين ما يقلل من قيمته الأنسانية ، وهو تقسيم لايمت للحقيقة بصلة ، كما انه بعيد عن التطبيقات القانونية ومخالف لكل الاتفاقيات والمعاهدات التي التزم بها العراق .

وبالرغم من كل الأساليب والوسائل وإمكانيات أجهزة الامن والمخابرات ، والمخططات التي تم تنفيذها ، فقد فشل هذا النمط من أنماط الحكم في العراق في القضاء على العلاقة الأزلية بين العراق والكورد الفيلية ، وفشلت السلطة القابضة على الحكم بالقوة أن تستمر في اساليبها في إبعاد شريحة الفيلية عن العراق ، ومع ان السلطات البائدة التي تعاقبت على الحكم كانت تحاول رتق الحياة الدستورية بحلول ترقيعية الا انها لم تكن جادة أولاً ، كما انها لم تكن تنوي أن تتخلص من أرثها الشوفيني ثانيا ، وفوق كل هذا فأنها لاتؤمن قطعاً بأي شكل من اشكال العلاقة الأنسانية التي تقر أن الكورد الفيلية مواطنين عراقيين ، ولهذا كانت هذه الأنظمة تراوغ وتحاول كبح جماح الجماهير ، في محاولات تفتيت التلاحم الشعبي ، وعزل الفئات التي عرف عنها الوقوف إلى جانب القوى العراقية الوطنية المناهضة للدكتاتورية ، وأن هذه القوى خبرت مراوغة السلطة وأساليب الدجل الذي تتبعه .

ولكن ثمة سؤال يثار أحيانا ، عن الحقوق التي حصل عليها الكورد الفيلية ، وبكل الأسى لم تزل إعداد كبيرة منهم لم تستعيد جنسيتها ولا أقرت السلطة الجديدة لها بمواطنتها ، ولم تزل إعداد كبيرة منها مطالبة بشهادة الجنسية وهي السيف المسموم المسلط على رقاب العراقيين ، ولم تزل السفارات العراقية تطالبهم بالمستمسكات التي سلبها منهم صدام وسلطته وأتلفها أو أخفاها ، ولم تزل اموالهم المنقولة وغير المنقولة تدور في أروقة الدولة وترقد في طي أضابير الروتين الحكومي ، لم يزل شهداؤهم ينتظرون ان تقر لهم الحكومة ومجلس النواب بحقهم العراقي وبما يرتبه القانون والدستور لهم ، ولم تزل أفواج من شبابهم المولودين خارج العراق دون سندات ودون سجلات تقيدهم ، ولم تزل قضاياهم بانتظار من يعيد النظر في اعتبارهم وبالرغم من كل هذا فلم يزل بعض يسأل ربما لقلة معلومات عن تاريخ العراق وتضحيات العراق ونضال العراقيين من كل القوميات ، ربما لعدم معرفة وإلمام بجوانب الحقوق التي ينبغي ان تكون منذ أقرار القانون الأساس للدولة العراقية في العام 1925 وليس بعد 80 سنة عن ماذا تحقق للكورد الفيلية .


الفهرس

مقدمة

الفصل الأول - الكرد الفيليون

الفصل الثاني - المسؤولية القانونية في قضية الكرد الفيليين


الفصل الثالث - أين صارت حقوق الكرد الفيليين ؟
التعليقات
Designed by NOURAS
Managed by Wesima